منصتا القاهرة وموسكو ومسجد الضرار

نشر بتاريخ: الخميس، 02 آذار/مارس 2017 بقلم: محمد علي شاهين

ولمّا اتخذ المنافقون في المدينة مسجداً ضرارا وكفرا، وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، قالوا  لرسول الله: إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ).

ولم يتوقف التآمر على الإسلام والمسلمين، باسم الإصلاح والعمل الاجتماعي والخيري، بل تعداه إلى العمل الوطني، فكم من حركة تحرّريّة بذلت من أجل انتصارها الأرواح والمهج أجهضت، وكم من ثورة شعبيّة عمّدها أصحابها بالدماء سرقت بطريقة ماكرة وخبيثة؟

وكم بذلت الشعوب العربيّة والإسلاميّة من تضحيات، حتى حمل الاستعمار عصاه ورحل عن بلادنا غير مأسوف عليه، فإذا بها تسقط في أيدي أنظمة القمع والاستبداد دهراً، وتعاني من التخلّف السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حتى أصبحت بلادنا في مؤخّرة الركب العالمي.

ذلك لأنّها اعتقدت أنّ مهمتها انتهت برحيل الاستعمار، وأنّ الوطن أصبح بيد أبنائه، ولم تدر أنّ مكاسب الثورة تحتاج إلى حماية تفوق الثورة ذاتها.

 

وما أن بدأ النظام السوري يفقد سيطرته على الأراضي السوريّة، وبدأ العالم يشعر بتأنيب الضمير بعد نشر صور الخراب الذي ألحقته آلة الدمار بالمدن والبلدات السوريّة، وأفانين التعذيب في المعتقلات، وأخذ يتردّد في وسائل الإعلام  الحديث عن استعمال الأسلحة المحرّمة دوليّاً، والإشارة إلى الدول الضالعة في قتل الشعب السوري، حتى خجلت روسيا من استخدام الفيتو في جلسات مجلس الأمن، وشعر أحرار العالم أنّها غير مؤتمنة على السلم والأمن العالمي، وكادت إيران أن تتبرّأ من عصابات القتل والإرهاب .

وشعر الجميع أنّ ثورة الشعب السوري قد نضجت وحان قطافها، فأخذت روسيا تبتزّ النظام لتفوز بالنصيب الأوفر من القواعد الجويّة والبحريّة وعقود استخراج النفط في الأرخبيل السوري، وأخذت إيران تقيم الحسينيّات وتصطاد ضعفاء النفوس، وتنافس روسيا في الحصول على مصفاة نفط قرب طرطوس، وتسعى لربط بلادها بالبحر المتوسّط بأنابيب  البترول وخطوط الحديد. 

وفي غياب دور أمريكي فاعل، وتخلّي أصدقاء سوريّة عن واجباتهم، وتقاعس عربي، جاء وفد المعارضة السوريّة السياسيّة المتمثّلة ب"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" وممثلو فصائل الثورة إلى جنيف في نهاية المطاف لتنفيذ جوهر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وهو الانتقال السياسي.

ويأبى مسجد الضرار الذي يملك أولويّات متباينة مع أولويّات (الهيئة العليا للمفاوضات)، إلا أن يكون له دور تخريبي في هذه الاجتماعات، وكأنّه هو مفجّر الثورة وصانع معاركها.

وظنّ النظام أنّه يستطيع أن يخدع الشعب، فيفاوض نفسه من خلال أحزاب أسّسها لهذا الغرض، مثل "حزب الإرادة الشعبيّة" و"حزب الغد السوري" وشخصيّات معروفة بانتهازيّتها وولائها للنظام، نعفّ عن ذكرها.

وأعطيت منصّة ضرار لمجموعة تدّعي تمثيل الشعب السوري مرجعيّتها موسكو الداعمة لنظام الأسد، ترى أنّ حلّ الأزمة في سوريا يتمثّل من خلال مسارين الأول: الاستمرار بمكافحة الإرهاب، متمثلاً في فزّاعة "داعش"، و"جبهة النصرة"، والثاني: هو الحل السياسي عبر المفاوضات المباشرة بين حكومة النظام السوري، والمعارضة السورية، معطية النظام الحق في ضرب فصائل المعارضة المسلّحة تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.

ومنصّة ضرار ثانية تدّعي تمثيل الشعب السوري، ومرجعيّتها القاهرة الداعمة للنظام أيضاً،

وكان من الأجدى أن تجلس هاتين المنصّتين إلى جانب منصّة ممثّل النظام بعد افتضاح دورها.

ومن المضحك أن تدّعي جهات محسوبة على النظام، مثل "منصّة بيروت" و"منصّة حميميم" المعروفتان بمواقفهما العدائيّة للثورة تمثيل الشعب السوري .

وكانت روسيا تعوّل على تشكيل وفد موحّد ملغوم للمعارضة يقوم بمهمّة "الهيئة العليا للمفاوضات" يحقّق لها أهدافها، متجاوزة القرار 1254 الذي ينصّ بوضوح على أنّ السوريين هم من يحدّدون ممثليهم.

وكان السفراء من وراء الكواليس  قد اتفقوا على وفد واحد تمثله (الهيئة العليا للمفاوضات)، رغم ما على هذه الهيئة من ملاحظات، 4 للائتلاف الوطني السوري، و3 لهيئة التنسيق الوطنية، و2 من المستقلين، و2 عن منصتي موسكو والقاهرة.

إلاّ أنّ السوريين صعقوا من ألوان هذه التشكيلة الغريبة، وازداد تشاؤمهم من نتائج هذا المؤتمر، وما يمكن أن يحقق لقضيتهم من حلول.

فمن هي الشخصيّات التي تشكّل الوفد:

نصر الحريري: رئيس الوفد، (عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني) (بعثي سابق) عربي سني، محافظة درعا.

أليس مفرج: نائبة للرئيس، (هيئة التنسيق الوطنيّة) عضوة (حزب "العمل الشيوعي) عربيّة مسيحيّة، محافظة السويداء.

محمد صبرا: كبير المفاوضين (مستقل) عربي سني، الجولان المحتل.

فؤاد عليكو: عضو وفد التفاوض (عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني) كردي سني، عضو (حزب الاتحاد الشعبي)، محافظة الحسكة.

عبد الأحد اسطيفو: عضو وفد التفاوض، (عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني)، عضو (المنظمة الآشورية الديمقراطية) آشوري مسيحي، القامشلي.

محمد الشمالي: عضو وفد التفاوض، (عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني)، عضو (المجلس التركماني السوري) تركماني سني.

عبد المجيد حمو: عضو وفد التفاوض (هيئة التنسيق الوطنيّة) عضو (الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي) كردي سني، محافظة حلب.

نشأت طعيمة: عضو وفد التفاوض (هيئة التنسيق الوطنيّة) عضو (الحزب الشيوعي السوري) عربي ، دمشق.

بسمة قضماني: عضوة وفد التفاوض (مستقلّة) عربيّة سنيّة، دمشق.

جمال سليمان: ممثّل منصّة القاهرة، فنان علوي.

علاء العرفات: ممثّل منصّة موسكو، عضو في (جبهة التغيير والتحرير) شيوعي عربي.

أما أعضاء وفد الفصائل العسكريّة فلا يدخل في موضوع مقالتنا.

6 عرب و3 شيوعيين، ومسيحيان، وكرديّان، وآشوري، وتركماني.

وما كنت أحب أن أكتب بهذه اللغة بسبب احترامي الشديد لمن انضمّ إلى الثورة من أحرار الأقليّات الدينيّة والقوميّة وانشق عن البعث، لولا الإجحاف الشديد بحق الأكثريّة العربيّة السنيّة الذي يجري التفاوض باسمها، والتآمر عليها بالقتل والتهجير.

والمدقّق في هذه التركيبة يظنّ أنّ الشيوعيين وأبناء الأقليّات القوميّة هم من أشعل ثورة الكرامة في سوريّة وكانوا وقوداً لها، فكان من حقهم أن يفاوضوا باسم الثورة.

وكأنّ الشعب السوري لم يستوعب الدروس والعبر من حكم الأقليّة النصيريّة الرهيب.

ثورة الكرامة مستمرّة حتى يعود للشعب السوري حقّه في الحريّة والاستقلال، ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله.

وطوبى للغرباء                                                                  رئيس التحرير

1/3/2017                                                                   محمد علي شاهين           

 

الزيارات: 386