وأوهى قرنه الوعل

نشر بتاريخ: الأحد، 01 تشرين1/أكتوير 2006 بقلم: محمد علي شاهين

لم تتوقف حملات الافتراء على الإسلام ونبيه باسم البحث العلمي وحرية الرأي، وواصلت مراكز الاستشراق وجيوش المستعربين نفث سمومها، حتى اختلط الأمر على كثير ممن حرموا نعمة التحقيق العلمي، ومنهم نفر من أبناء جلدتنا لم يدركوا حقيقة الأهداف الخفية التي تكمن وراء الهجمة على الإسلام ونبيه إلا متأخرين.

لأن من تولى كبر هذه الحملات لم يعرف قدر نبينا ومكانته وقد خصه ربه ببديع حكمته وجوامع كلمه، وعصمه بالوحي السماوي، ولو علم هؤلاء أنه كان المثل الأعلى في معاملة أهل الكتاب، وداعية إلى حرية التدين وعدم الإكراه في الدين، لأحبوه كما نحبه ولخجلوا من جهلهم وضيق أفقهم، وكان عليهم أن يقرأوا الإسلام من مصادره الأصيلة، ويفهموا مقاصده السامية، قبل أن يتهموه ويشوهوا صورته. 

وعندما أدركت قوى الظلام أن سر قوة المسلمين وتقدمهم هو الإسلام، حشدت قوتها لتجريدهم من هذا السلاح، وشغلتهم بمعارك جانبية عن تحقيق مشروع نهضتهم. 

وكانوا يجرون بين الفينة والأخرى اختبارا (بالون اختبار) علينا ويقيسوا رد فعلنا كل مرة، ليعلموا مدى تمسكنا بديننا وحبنا لنبينا، فتارة يطلقون الآيات الشيطانية، وتارة الرسوم الكاريكاتيرية، وتارة المقالات الصحفية الخبيثة (ما نشرته الفيغارو الفرنسية)، حتى إذا وجدوا وهنا منا أو ضعفا احتلوا بلادنا وهدموا أقصانا وكعبتنا، ولكن هيهات.

وكانت الهجمة الشريرة في نهاية الحرب الأممية قد طالت الخلافة مصدر قوة المسلمين فهدمتها، ودولة الخلافة فمزقتها وقسمتها، وحالت دون بلوغ الشعوب الإسلامية وحدتها وتقدمها وحريتها. 

وجرى استغلال الكنيسة في أوروبا الشرقية لمحاربة الشيوعية، وهزم المجاهدون الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بقوة إيمانهم، فكان الدين في الشرق والغرب هو السلاح الذي لا يفل.

وما أن انتهت الحرب الباردة وسقطت الشيوعية في موطنها حتى وجدت أمريكا في الإسلام عدوا تاريخيا تتوحد عليه وتجتمع مع أوروبا على محاربته. 

وانتهزت قوى علمانية وصهيونية أحداث الحادي عشر من أيلول فتعاهدت على تعميق الهوة بين الإسلام والمسيحية، وتحالفت على النيل من الإسلام في حلف غير مقدس تحت دعوى محاربة الإرهاب والتطرف، وأضرمت نيران العداوة والبغضاء بين الشرق والغرب، وأخذت تسعر الصراع بين الهلال والصليب، وتقرع طبول الحرب حتى جرى احتلال العراق وأفغانستان، وانحازت أمريكا إلى إسرائيل، واستخدمت مالها ونفوذها السياسي في خدمة المشروع الصهيوني، وقد فاتهم جميعا أن دين الله ليس كالشيوعية، وأنه عصي على السقوط. 

كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وفي خضم هذا الصراع المرير جاءت محاضرة البابا بنديكت السادس عشر في جامعة رغسبورغ، تنكأ الجراح القديمة التي خلفتها الحروب الصليبية، تحت دعوى البحث الأكاديمي بعبارات مقتبسة أقحمت على النص الأصلي عن علاقة الدين بالعنف.

يقول البابا: عندما قرأت اصدار الاستاذ ثيودور خوري (جامعة مونستر) لجزء من حوار دار ربما في العام 1391م في ثكنات الجيش الشتوية قرب أنقرة بين الامبراطور البيزنطي الحاذق (مانويل الثاني باليولوغوس) وفارسي متعلم حول موضوع المسيحية والاسلام، وحقيقة كل منهما، ويرجح أن الامبراطور نفسه هو من دون الحوار هذا، اثناء حصار القسطنطينية بين العامين (1392 1401) م وهذا ما يفسر لماذا حظيت حججه بتفصيل أكبر من حجج محاوره الفارسي.

يضيف البابا قائلا: في الحوار السابع (الجدال) الذي حرره الاستاذ خوري، يلامس الامبراطور موضوع الحرب المقدسة، ويبدو أن الامبراطور كان يعرف السورة هذه (لا إكراه في الدين) (سورة البقرة الآية 256). ووفقا للخبراء، فإن هذه السورة قد نزلت في مرحلة مبكرة، عندما كان محمد ما زال بلا حول ومهددا، لكن من الطبيعي أن الامبراطور كان يعرف التعليمات، التي تطورت لاحقا ودونت في القرآن، والمتعلقة بالحرب المقدسة، ومن دون الغوص في التفاصيل، على غرار الاختلاف في المعاملة التي حظي بها (أصحاب الكتاب) و(الكفار)، يتوجه الى محاوره بجلافة مفزعة، وهي جلافة تدهشنا، بالسؤال المركزي عن العلاقة بين الدين والعنف عموما، قائلا: (أرني ما جلب محمد من جديد، وستعثر هناك على أشياء شريرة وغير إنسانية وحسب، كإيعاز بنشر الايمان الذي بشر به بالسيف)، وبعدما عبر الامبراطور عن نفسه بهذه القوة، مضى إلى تفسير مفصل للأسباب التي تجعل من نشر عبر العنف أمرا غير عقلاني، لا يتوافق العنف مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح، ويقول: (الله لا يُسر بالدم والعمل بلاعقلانية مخالف لطبيعة الله، ولد الايمان من الروح وليس من الجسد، ومن يرد أن يقود امرا إلى الإيمان يحتَجْ الى القدرة على التحدث الفطن وإظهار العقل إظهارا ملائما، من دون عنف ولا تهديدات... ولإقناع روح عاقلة، لا يحتاج المرء الى ذراع قوية، او إلى سلاح من أي نوع، ولا غير ذلك من وسائل تهديد الشخص بالموت...). 

وفهم حكماء المسلمين وعلماؤهم معاني ومدلولات كل كلمة جاءت في الخطاب، فأصابهم الحزن بعد جهود مضنية قضوها في الحوار وإزالة سوء الفهم والتأسيس على قيم التسامح بين المؤمنين، وشعروا بالاحباط بسبب مكانة البابا في قلوبهم كزعيم ديني مرموق. 

وإننا نربأ أن يكون البابا قد انحاز إلى الإدارة الأمريكية التي تخوض صراع مصالح لا صراع حضارات، في سياق حملتها الشرسة على ما يسمى الإرهاب. 

وقد فات من يضع الإسلام في قفص الاتهام ويصفه بالجمود والتطرف والإرهاب أن يستعيد تلك الصورة المشرقة لحواضر العلم والأدب والفن في الأندلس، وابنتها الصغرى صقلية، يوم غدت دمشق وبغداد والقاهرة وإسلامبول منارات هداية، ومقصدا للباحثين عن أسرار الكون وعلومه، ومنهلا عذبا لطلاب العلم والمعرفة. 

وفاتهم أن المسلمين لم ينشئوا محاكم التفتيش في أوروبا، ولم يجتثوا الهنود الحمر في أمريكا، ولم ينتزعوا الشعب الفلسطيني من أرضه، ولم يتركوا في شبه القارة الهندية مشكلة كشمير، وفي البحر المتوسط مشكلة قبرص، ولم يضربوا هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة الذرية، ولم يوقدوا المحرقة لليهود والغجر في أوروبا، ولم ينشئوا نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لأن رب المسلمين والمسيحيين يأمرهم بالعدل والإحسان.

وهل يرضى أحمد والمسيح أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي مسلوبي الإرادة ممن ضرب خدهم الأيمن والأيسر، وهدم بيوتهم، واقتلع زيتونهم، وسرق مياههم، وانتزع البسمة من عيون أطفالهم، وسجنهم خلف الجدران، حتى يقول البابا عنهم أنهم ضد الإرهاب.

حثنا الإسلام على بر أهل الكتاب وإنصافهم وأباح لنا مصاهرتهم وحسن مجادلتهم، واعتبر الإيمان بالرسالات السابقة جزء من الإسلام، ودعانا لنشره بالدعوة والقدوة الحسنة وكانت حروبه لضمان حرية الشعوب في التدين، وموجهة ضد الطغاة الذين سلبوهم حرياتهم.

علمنا الإسلام أن نؤمن بموسى وعيسى ومحمد، ولا نفرق بين أحد من رسله، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا.

وطوبى للغرباء

 1/10/2006 

الزيارات: 739