ألا من وقفة جريئة تعيد إلى البشريّة ثقتها بالمنظمات الدوليّة

نشر بتاريخ: الجمعة، 02 أيلول/سبتمبر 2016 بقلم: محمد علي شاهين

سكوت المجتمع الدولي عما يجري في سوريّة من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وغض النظر عن جرائم النظام وحلفائه، وتعطيل قرارات مجلس الأمن بالفيتو الروسي، واسترخاص دماء السوريين، واكتفاء المتحدثين عن كبرى المنظّمات العالميّة بالتعبير عن القلق، والشعور بالهلع، وإصدار البيانات الدعائيّة، وإطلاق التصريحات الرسميّة، وعقد المؤتمرات الصحفيّة، والمساواة بين القاتل والمقتول لإضفاء صفة الحياد على الناطقين باسم المنظمات الدوليّة، والعجز عن تقديم المساعدات الإنسانيّة إلا بموافقة الجهة المحاصرة، يدعو أحرار العالم للنظر فيما انحدرت إليه المنظمات العالميّة من ضعف وعجز وانحياز، والمطالبة بإعادة النظر في الأسس الأخلاقيّة التي قامت عليها الأمم المتحدة، والمنظّمات التابعة لها.
وأخيراً شعر الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بالخجل فقال: "إن المجتمع الدولي سيجر أذيال الخزي والعار إذا لم يفعل شيئا لإنهاء الأزمة الإنسانية المستمرة في مدينة حلب بشمال سوريا".


ونقول للسيّد هولاند: لقد جلبت هذه الكارثة الإنسانيّة العار على المجتمع الدولي، ودمغته بميسم الشنار والخزي، لأنّه وقف عاجزاً كل هذه السنين عن حماية شعب طالب بحريته واستقلاله.
وجاءت تصريحات هولاند متزامنة مع أخرى مماثلة لستيفن أوبراين وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية اعتبر فيها أن ما يجري في حلب اليوم فضيحة أخلاقية وفشل سياسي.
وحذّر برنامج الأغذية العالمي من وضع "رهيب"، و اعترف بأنّ أكثر من مئة ألف طفل محاصرون بحلب.
واتهم تقرير ـ استغرق إعداده سنة كاملة ـ أعدته لجنة تحقيق مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية قوات النظام بشن هجومين كيميائيين على الأقل في سوريا، وخلص إلى أن مروحيات عسكرية للنظام ألقت غاز الكلور على بلدتين في محافظة إدلب السورية، هما تلمنس يوم 21 أبريل/نيسان 2014 وسرمين يوم 16 مارس/آذار 2015.
وتناسى التقرير أنّ النظام السوري خرق 136 مرة قرار مجلس الأمن 2118 الصادر في 27 ايلول 2013 والذي يمنع استخدام السلاح الكيميائي، وأنّ نظام الأسد "استخدم الغازات السامة 33 مرة قبل القرار المذكور، وأنّ 97% من الهجمات بالغازات السامة، استهدف مناطق تسيطر عليها المعارضة مقابل 3% على مناطق تخضع لسيطرة الدولة الاسلاميّة.
واكتفى المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوغريك في مؤتمر صحفي بمقر المنظمة الدولي في نيويورك بالتعبير عن قلقه أن "مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تلقى تقارير بشأن القتال المكثف من قبل جميع أطراف النزاع في مدينة حلب السورية والمناطق المتاخمة لها، ولاسيما في الأيام الأخيرة، وأن الأمم المتحدة قلقة من تدهور الأوضاع الإنسانية المترتبة على ذلك" , وأشار إلى ورود تقارير حول تواصل "الغارات الجوية والقصف، والاشتباكات العنيفة، ما تسبب في سقوط العديد من الضحايا المدنيين والجرحى ووقوع أضرار بمنشآت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمساجد" .
وشعر ستيفن أوبراين منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة بالخوف فقال: "أشعر بالهلع لوقوع مزيد من القتل والدمار في حلب.
وأضاف: "خلال الأيام العشرة الماضية كثفت الهجمات العشوائية واستخدمت الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان من قبل القوات الحكومية وحلفائها، وجماعات المعارضة المسلحة، والمجموعات الإرهابية، بما أثر على المدنيين الأبرياء، إن هذه الهجمات تستمر فيما نتحدث هنا الآن"
والحقيقة أنّ كل التصريحات جاءت فارغة وباردة وبمثابة حقن مخدرة، لامتصاص غضب الشارع ريثما يستطيع النظام المجرم وأد الثورة، أو إعادة استنساخ النظام الفاجر من جديد.
ألم يمثّل مشروع التهجير القسري والتغيير الديمغرافي لمحيط العاصمة جريمة إبادة جماعية بحق المدنيين في الغوطة والزبداني وداريّا التي حوصرت أربع سنوات وقصفت بتسعة آلاف برميل، وهل جرى التحقيق في أكبر المجازر الطائفية التي نفذها نظام الأسد بهدف التطهير العرقي في الساحل عندما أقدمت عصاباته على إعدام حوالي 313 مدنياً بينهم أطفال ونساء ذبحاً بالسكاكين وحرقاً وإعداماً بالرصاص، في قرية البيضا التابعة لبانياس، وقيام النظام وعصاباته الطائفيّة بإجبار الأهالي على النزوح والخروج من منازلهم بعد تدمير شبه كامل للبنية التحتيّة، وهل كل ما جرى في حمص من تدمير وتهجير لا يستحق التفاتة الأمين العام؟
كم شخصاً استشهد بسبب الجوع ونقص المواد الطبية نتيجة الحصار الظالم الذي يفرضه نظام الأسد على البلدات السوريّة؟
هل سلمت مدينة أو قرية سوريّة في شرق البلاد وغربها من غارات الطيران الأسدي وحليفه الروسي.
ألم يتحدث المراسلون عن الغارات الروسيّة بالقنابل العنقودية على قرية الشيخ علي ومدينة دارة عزة بالريف الغربي لحلب، وعن الغارات بالقنابل الفوسفورية على بلدة العيس جنوباً.
وهل ينس العالم مجزرة السوق الشعبي والقصر العدلي في إدلب، وسوق الخضار المزدحم في أريحا ومعرّة النعمان وغيرها من مجازر النظام؟.
ومن هجمات العصابات الطائفيّة السيستانيّة التي تنهش في لحوم السوريين كالذئاب، تحت دعوى حماية المراقد المقدّسة؟
وهل توقفت المروحيّات السوريّة عن إلقاء البراميل المتفجّرة والصواريخ الفراغيّة والفوسفوريّة وقذائف النابالم المحرّمة دوليّاً، على الأسواق الشعبيّة والمستشفيات والمساجد ومنازل المدنيين في أحياء حلب والبلدات التابعة لها، وهل قدّر الخبراء حجم الدمار والخراب الذي ألحقه القصف الهمجي بهذه الأحياء والبلدات الثائرة، وآخرها قصف خيمة عزاء في حي النيرب أضاف عشرين شهيداً إلى قائمة الضحايا، واستهداف بقذائف الهاون لباص مدني قرب بلدة خان الشيح؟
ألم تقض عائلات بأكملها نتيجة القصف الهمجي ونقص الخدمات الطبيّة على ريف دير الزور؟
كم طفلاً حرم من الدراسة بسبب قصف طائرات النظام المتعمّد للمدارس؟
ألم تتحدث المنظّمات الإنسانيّة عن هدم وتدمير أكثر من 2400 مدرسة وعن مقتل 110 من العاملين في مجال التعليم، وأنّ 1401 مدرسة تستخدم مأوى للنازحين والفارين، وهل ننسى دور المقاتلات الروسية وحليفها الأسد في قصف ثلاثة مدارس للأطفال أثناء أدائهم للامتحانات في بلدة عين جارة بريف حلب الغربي، وروضة الأطفال في بلدة دير العصافير بالغوطة الشرقيّة.
لقد جاءت غارات النظام على المرافق الصحيّة والمستشفيات الميدانيّة معبّرة عن ساديّة الطائفة التي ينتمي إليها، فلم يتورّع على سبيل المثال عن إلقاء البراميل المتفجّرة على المستشفى الوحيد في خان الشيح ليخرجه من الخدمة، وقام بالإغارة على المستشفى الميداني الوحيد في داريّا مرّاتّ عديدة، وألقى حممه من البراميل المتفجّرة وبراميل النابالم الحارق ليحرم الجرحى من الرعاية الطبيّة ويضاعف آلامهم، ويقضي على الكادر الطبي لأنّه يسعف الجرحى.
وهل تعلم أنّ النظام الذي يضع مقدّرات سوريّة في قبضة الولي الفقيه، ويستقبل العصابات الشيعيّة لحماية المراقد المقدّسة، دمر أكثر من ألف مسجد تدميراً كاملاً وحوّل قبابها ومآذنها إلى أنقاض، وهدم ضعف هذا العدد جزئيا في السنوات الأربع الأولى من عمر الثورة، أوّلها الجامع العمري في درعا، ولم يراع حرمة الجامع الأموي في حلب، ولا جامع خالد بن الوليد في حمص؟.
وهل اتخذت "منظمة العفو الدولية" أي إجراء عملي يوقف مسلسل الرعب بعد نشر تقريرها الصادر يوم 18/8/2016، حيث وثّقت ظروف وفاة أكثر من 17 الف معتقل خلال خمس سنوات في سجون النظام السوري، متحدثة عن "روايات مرعبة" حول التعذيب الذي يتنوع بين السلق بالمياه الساخنة وصولاً إلى الضرب حتى الموت.
ألا تستحق كل هذه الوقائع التي أشرنا إليها لشحن ذاكرة من نصّبوا أنفسهم لحماية حقوق الإنسان، وتمتّعوا بامتيازات الأمم المتحدة ومزاياها، إلى وقفة جريئة تعيد إلى البشريّة ثقتها بالمنظمات الدوليّة التي يتشدقون باسمها عن آلامنا وهم يبتسمون؟
غيض من فيض ذكرناه، من خزّونة الأحداث والوقائع والصور والوثائق، مداد كلماته الممزوجة بدماء السوريين لم تجف، لأنّ جزوة دم السوريين الأحرار في عالم العبيد كالجمر الملتهب لا تنطفئ أبداً، وسواء اعترف المجتمع الدولي بفشله وعجزه، أم لم يعترف، فالثورة مستمرّة حتى تحرير سوريّة.
وطوبى للغرباء.                                                               رئيس التحرير
1/9/2016                                                                 محمد علي شاهين      

 

الزيارات: 600