سيد بن هاشم الرفاعي وقصيدته رسالة في ليلة التنفيذ

نشر بتاريخ: الإثنين، 28 كانون1/ديسمبر 2015 مجلة الغرباء

ولد الشاعر الشهيد سيّد بن جامع بن هاشم الرفاعي في بلدة أنشاص بمحافظة الشرقيّة بمصر العربيّة، عام 1935 واشتهر باسم جدّه هاشم، نشأ في بيئة إسلاميّة، وتربى على قيم الخير والفضيلة، حفظ القرآن في سن مبكرة، تلقى مبادئ اللغة والدين في بلده،

وحفظ كثيراً من القصائد الجياد، التحق بمعهد الزقازيق الديني سنة 1366/1947 وأكمل دراسته الثانويّة فيه سنة 1375/1956، توجّه إلى القاهرة وانتسب إلى كليّة العلوم بجامعة القاهرة سنة 1374/1955، نظم الشعر في سن مبكرة، وانطلق في مطلع شبابه ينظم القصائد الملتهبة ضدّ الظلم والطغيان، ويعبّر بشعره المتدفّق بالحيويّة عن مأساة الإخوان في سجون الناصريّة، امتاز شعره بالصدق وروعة التصوير والشفافيّة الروحيّة، تأثّر بفكر الإمام الشهيد حسن البنا، وانخرط في المقاومة السريّة الإسلاميّة التي أقضّت مضاجع الاحتلال الانجليزي في القناة؛ وفي ظروف غامضة اغتيلت العبقريّة ممثّلة في الشاعر هاشم الرفاعي في عام 1959 مطعوناً بيد آثمة ملطخة بالعار في أنشاص، عندما استدرج إلى شجار مصطنع، وهو في قمّة العطاء، ولمّا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، اتهمت بمقتله جهات أمنيّة، أقامت له العزاء وأبّنته لتنفي عن نفسها صفة قتل رجل كان من المتوقّع له أن يكون أحد فرسان الكلمة في زمن التخاذل، حيث تغتال الكلمة، ويغتال معها الرجال المعبّرون بصدق وأصالة عن وجدان الأمّة وضميرها، وقامت تلك الجهات بطبع ديوانه ووضع صورة رئيس ذلك النظام في صدر الصفحة الأولى حتى لا يقال أنّهم قتلوا الصدق والإخلاص في رجل كان له شأن في عالم الفن والإبداع، وتعتبر قصيدته رسالة في ليلة التنفيذ نموذجاً رائعاً لما وصل إليه الشعر الإسلامي في عصر الصحوة من روعة التعبير وشفافيّة التصوير، ودقّة الأداء.

 رسالة في ليلة التنفيذ

 أبتاه ماذا قد يخطُّ بناني *** والحبلُ والجلادُ ينتظراني

 هذا الكتابُ إليكَ مِنْ زَنْزانَةٍ  *** مقْرورَةٍ صَخْرِيَّة الجُدْرانِ

 لَمْ تَبْقَ إلاَّ ليلةٌ أحْيا بِها  ***  وأُحسُّ أنَّ ظلامَها أكفاني

 سَتَمُرُّ يا أبتاهُ لستُ أشكُّ في  ***  هذا وتَحمِلُ بعدَها جُثماني

الليلُ مِنْ حَولي هُدوءٌ قاتِلٌ  ***  والذكرياتُ تَمورُ في وِجْداني

وَيَهُدُّني أَلمي فأنْشُدُ راحَتي  ***  في بِضْعِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ

والنَّفْسُ بينَ جوانِحي شفَّافةٌ  ***  دَبَّ الخُشوعُ بها فَهَزَّ كَياني

قَدْ عِشْتُ أُومِنُ بالإلهِ ولم أَذُقْ  ***  إلاَّ أخيراً لذَّةَ الإيمانِ

والصَّمتُ يقطعُهُ رَنينُ سَلاسِلٍ  ***  عَبَثَتْ بِهِنَّ أَصابعُ السَّجّانِ

ما بَيْنَ آوِنةٍ تَمُرُّ وأختها  ***  يرنو إليَّ بمقلتيْ شيطانِ

مِنْ كُوَّةٍ بِالبابِ يَرْقُبُ صَيْدَهُ  ***  وَيَعُودُ في أَمْنٍ إلى الدَّوَرَانِ

أَنا لا أُحِسُّ بِأيِّ حِقْدٍ نَحْوَهُ  ***  ماذا جَنَى فَتَمَسُّه أَضْغاني

هُوَ طيِّبُ الأخلاقِ مثلُكَ يا أبي  ***  لم يَبْدُ في ظَمَأٍ إلى العُدوانِ

لكنَّهُ إِنْ نامَ عَنِّي لَحظةً  ***  ذاقَ العَيالُ مَرارةَ الحِرْمانِ

 فلَرُبَّما وهُوَ المُرَوِّعُ سحنةً  ***  لو كانَ مِثْلي شاعراً لَرَثاني

 أوْ عادَ -مَنْ يدري- إلى أولادِهِ  ***  يَوماً تَذكَّرَ صُورتي فَبكاني

 وَعلى الجِدارِ الصُّلبِ نافذةٌ بها  ***  معنى الحياةِ غليظةُ القُضْبانِ

 قَدْ طالَما شارَفتُها مُتَأَمِّلاً  ***  في الثَّائرينَ على الأسى اليَقْظانِ

 فَأَرَى وُجوماً كالضَّبابِ مُصَوِّراً  ***  ما في قُلوبِ النَّاسِ مِنْ غَلَيانِ

 نَفْسُ الشُّعورِ لَدى الجميعِ وَإِنْ هُمُو  ***  كَتموا وكانَ المَوْتُ في إِعْلاني

 وَيدورُ هَمْسٌ في الجَوانِحِ ما الَّذي  ***  بِالثَّوْرَةِ الحَمْقاءِ قَدْ أَغْراني؟

 أَوَ لَمْ يَكُنْ خَيْراً لِنفسي أَنْ أُرَى  ***  مثلَ الجُموعِ أَسيرُ في إِذْعانِ؟

 ما ضَرَّني لَوْ قَدْ سَكَتُّ وَكُلَّما   ***  غَلَبَ الأسى بالَغْتُ في الكِتْمانِ؟

 هذا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْرِي مُطْفِئاً  ***  ما ثارَ في جَنْبَي مِنْ نِيرانِ

 وَفؤاديَ المَوَّارُ في نَبَضاتِهِ  ***  سَيَكُفُّ في غَدِهِ عَنِ الْخَفَقانِ

 وَالظُّلْمُ باقٍ لَنْ يُحَطِّمَ قَيْدَهُ  ***  مَوْتي وَلَنْ يُودِي بِهِ قُرْباني

 وَيَسيرُ رَكْبُ الْبَغْيِ لَيْسَ يَضِيرُهُ  ***  شاةٌ إِذا اْجْتُثَّتْ مِنَ القِطْعانِ

 هذا حَديثُ النَّفْسِ حينَ تَشُفُّ عَنْ  ***  بَشَرِيَّتي وَتَمُورُ بَعْدَ ثَوانِ

 وتقُولُ لي إنَّ الحَياةَ لِغايَةٍ  ***  أَسْمَى مِنَ التَّصْفيقِ ِللطُّغْيانِ

 أَنْفاسُكَ الحَرَّى وَإِنْ هِيَ أُخمِدَتْ  ***  سَتَظَلُّ تَعْمُرُ أُفْقَهُمْ بِدُخانِ

 وقُروحُ جِسْمِكَ وَهُوَ تَحْتَ سِياطِهِمْ  ***  قَسَماتُ صُبْحٍ يَتَّقِيهِ الْجاني

 دَمْعُ السَّجينِ هُناكَ في أَغْلالِهِ  ***  وَدَمُ الشَّهيدِ هُنَا سَيَلْتَقِيانِ

 حَتَّى إِذا ما أُفْعِمَتْ بِهِما الرُّبا  ***  لم يَبْقَ غَيْرُ تَمَرُّدِ الفَيَضانِ

 ومَنِ الْعَواصِفِ مَا يَكُونُ هُبُوبُهَا  ***  بَعْدَ الْهُدوءِ وَرَاحَةِ الرُّبَّانِ

 إِنَّ اْحْتِدامَ النَّارِ في جَوْفِ الثَّرَى  ***  أَمْرٌ يُثيرُ حَفِيظَةَ الْبُرْكانِ

 وتتابُعُ القَطَراتِ يَنْزِلُ بَعْدَهُ  ***  سَيْلٌ يَليهِ تَدَفُّقُ الطُّوفانِ

 فَيَمُوجُ يقتلِعُ الطُّغاةَ مُزَمْجِراً  ***  أقْوى مِنَ الْجَبَرُوتِ وَالسُّلْطانِ

 أَنا لَستُ أَدْري هَلْ سَتُذْكَرُ قِصَّتي  ***  أَمْ سَوْفَ يَعْرُوها دُجَى النِّسْيانِ؟

 أمْ أنَّني سَأَكونُ في تارِيخِنا  ***  مُتآمِراً أَمْ هَادِمَ الأَوْثانِ؟

 كُلُّ الَّذي أَدْرِيهِ أَنَّ تَجَرُّعي  ***  كَأْسَ الْمَذَلَّةِ لَيْسَ في إِمْكاني

 لَوْ لَمْ أَكُنْ في ثَوْرَتي مُتَطَلِّباً  ***  غَيْرَ الضِّياءِ لأُمَّتي لَكَفاني

 أَهْوَى الْحَياةَ كَريمَةً لا قَيْدَ لا  ***  إِرْهابَ لا اْسْتِخْفافَ بِالإنْسانِ

 فَإذا سَقَطْتُ سَقَطْتُ أَحْمِلُ عِزَّتي  ***  يَغْلي دَمُ الأَحْرارِ في شِرياني

 أَبَتاهُ إِنْ طَلَعَ الصَّباحُ عَلَى الدُّنى  ***  وَأَضاءَ نُورُ الشَّمْسِ كُلَّ مَكانِ

 وَاسْتَقْبَلُ الْعُصْفُورُ بَيْنَ غُصُونِهِ  ***  يَوْماً جَديداً مُشْرِقَ الأَلْوانِ

 وَسَمِعْتَ أَنْغامَ التَّفاؤلِ ثَرَّةً  ***  تَجْري عَلَى فَمِ بائِعِ الأَلبانِ

 وَأتى يَدُقُّ- كما تَعَوَّدَ- بابَنا   ***  سَيَدُقُّ بابَ السِّجْنِ جَلاَّدانِ

 وَأَكُونُ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ مُتَأَرْجِحَاً  *** في الْحَبْلِ مَشْدُوداً إِلى العِيدانِ

 لِيَكُنْ عَزاؤكَ أَنَّ هَذا الْحَبْلَ ما  *** صَنَعَتْهُ في هِذي الرُّبوعِ يَدانِ

 نَسَجُوهُ في بَلَدٍ يَشُعُّ حَضَارَةً  *** وَتُضاءُ مِنْهُ مَشاعِلُ الْعِرفانِ

 أَوْ هَكذا زَعَمُوا! وَجِيءَ بِهِ إلى  *** بَلَدي الْجَريحِ عَلَى يَدِ الأَعْوانِ

 أَنا لا أُرِيدُكَ أَنْ تَعيشَ مُحَطَّماً  *** في زَحْمَةِ الآلامِ وَالأَشْجانِ

 إِنَّ ابْنَكَ المَصْفُودَ في أَغْلالِهِ  *** قَدْ سِيقَ نَحْوَ الْمَوْتِ غَيْرَ مُدانِ

 فَاذْكُرْ حِكاياتٍ بِأَيَّامِ الصِّبا  *** قَدْ قُلْتَها لي عَنْ هَوى الأوْطانِ

 وَإذا سَمْعْتَ نَحِيبَ أُمِّيَ في الدُّجى  *** تَبْكي شَباباً ضاعَ في الرَّيْعانِ

 وتُكَتِّمُ الحَسراتِ في أَعْماقِها  *** أَلَمَاً تُوارِيهِ عَنِ الجِيرانِ

 فَاطْلُبْ إِليها الصَّفْحَ عَنِّي إِنَّني  *** لا أَبْتَغي مِنَها سِوى الغُفْرانِ

 مازَالَ في سَمْعي رَنينُ حَديثِها  *** وَمقالِها في رَحْمَةٍ وَحنانِ

 أَبُنَيَّ: إنِّي قد غَدَوْتُ عليلةً  *** لم يبقَ لي جَلَدٌ عَلى الأَحْزانِ

 فَأَذِقْ فُؤادِيَ فَرْحَةً بِالْبَحْثِ عَنْ  *** بِنْتِ الحَلالِ وَدَعْكَ مِنْ عِصْياني

 كنَتْ لها أُمْنِيَةً رَيَّانَةً  *** يا حُسْنَ آمالٍ لَها وَأَماني

 وَالآنَ لا أَدْري بِأَيِّ جَوانِحٍ  *** سَتَبيتُ بَعْدي أَمْ بِأَيِّ جِنانِ

 هذا الذي سَطَرْتُهُ لكَ يا أبي  *** بَعْضُ الذي يَجْري بِفِكْرٍ عانِ

 لكنْ إذا انْتَصَرَ الضِّياءُ وَمُزِّقَتْ  *** بَيَدِ الْجُموعِ شَريعةُ القُرْصانِ

 فَلَسَوْفَ يَذْكُرُني وَيُكْبِرُ هِمَّتي  *** مَنْ كانَ في بَلَدي حَليفَ هَوانِ

 وَإلى لِقاءٍ تَحْتَ ظِلِّ عَدالَةٍ  *** قُدْسِيَّةِ الأَحْكامِ والمِيزانِ

 

الزيارات: 452