وصيّة بطرس الأكبر لبوتين

نشر بتاريخ: الجمعة، 04 تشرين2/نوفمبر 2016 بقلم: محمد علي شاهين

لم تتوقف العساكر الروسيّة عن حرب المسلمين، وكانت الأمّة الروسيّة متمادية في كل حروبها، ولم يكن جيشها يألف البطولة والتضحية في كل معاركها، حتى أنّ الأباطرة الروس وقادة الاتحاد السوفييتي ورؤساء روسيا الاتحاديّة لم يتركوا وقتاً لراحة العسكر، ولا فرصة لإصلاح مالية الدولة، ولا يزال الروس يستعدون للحرب بتطوير الأسلحة، وتشييد المنشآت الحربيّة، ويتحيّنون الفرص للانقضاض على بلاد المسلمين لاقتناص المنافع، وتحقيق الأهداف الخفيّة.
وكان ملهم نظريتهم العدوانيّة على الشعوب المسلمة وواضع قواعدها القيصر بطرس الأكبر صاحب الوصيّة المشهورة، حيث يقول في بندها الأوّل: "من اللازم أن تقاد العساكر دائماً إلى الحرب، وينبغي للأمّة الروسيّة أن تكون متمادية على حالة الكفاح لتكون أليفة الوغى، وترك وقت لراحة العسكر، أو لأجل إصلاح الماليّة وتوفيرها، وإن كان ضروريّاً يلزم أن يكون تنظيم المعسكرات متعاقباً، وتكون مراقبة الوقت الموافق للهجوم متصلة آناً بآن، وعلى هذه الصورة ينبغي لروسيا أن تتخذ زمن الصلح والأمان وسيلة قويّة للحرب، وهكذا زمن الحرب للصلح، وذلك لأجل زيادة قوّتها وتوسيع منافعها". 


ولم يكن من العسير على الروس خداع الشعوب، واستغلال المناسبات، وتهيئة الظروف لتوفير أسباب التدخّل المباشر في بلاد المسلمين، وشن الحروب عليها.
فتارة يتخذ المتعصّبون الروس من مسألة حماية الأقليّات الأرثوذكسيّة في الشرق، وحماية الأماكن المقدّسة في فلسطين مدخلاً للتدخّل في سوريّا، حتى أنّ نيقولا الأوّل قاد بلاده نحو الهزيمة في حربه على الدولة العثمانيّة، وتبدّدت أحلامه بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسّط.
وتارة يتدخّل البلاشفة الروس في آسيا الوسطى فيستميلوا قلوب المسلمين بالوعود كما فعل لينين ومن جاء بعده، ثم يرتكبون بحقهم جرائم الإبادة الجماعيّة، ويقتلون العلماء والزعماء السياسيين، وينفون الأحرار، ويهدمون المساجد ويحرقون المكتبات، ويتفنّنون في طرق التعذيب، ويحرمون الشعوب المسلمة حقها في الحريّة والاستقلال.
وتارة أخرى يتدخّلون لحماية عميل شيوعي قام بانقلاب عسكري في أفغانستان، ثمّ يدّعون بوجود اتفاقيّة بين الحكومتين السوفييتيّة والأفغانيّة تسمح لها بالتدخّل العسكري، وارتكاب أبشع الجرائم والموبقات بحق المدنيين.
وها هم اليوم يحاولون جاهدين مدّ النفوذ الروسي نحو بلاد الشام والعراق، بعد انحساره عن أوروبا، فيشاركون في جريمة قصف المدن السوريّة بالأسلحة الفتاكة المحرّمة دوليّاً، إلى جانب نظام الأقليّة النصيريّة الذي باع استقلال البلاد، ومنح الروس القواعد البحريّة والجويّة، ووعدهم باستغلال ثروة البلاد النفطيّة في الأرخبيل السوري.
توارث الوصيّة القياصرة ومن تربّع بعدهم على عرش الدولة الروسيّة، لكن الوصيّة لم تجد أمينا على تنفيذ بنودها وأكثر حماسة وجرأة من الرئيس الحالي بوتين.
وجاء التدخّل العسكري الروسي في سوريّة بمباركة الكنيسة الروسيّة، ليس حباً ببشّار الأسد ونظامه، ولكن طمعاً في الوصول إلى المياه الدافئة، والاستحواذ على تجارة الممالك الشرقيّة القديمة في بلاد الشام، والوصول منها إلى الهند، ووضع تركيّا الإسلاميّة بين فكي كماشة.
ألم يوصيهم بطرس الأكبر في البند التاسع من الوصيّة المكوّنة من أربعة عشر بنداً، والمنشورة في كتاب (تاريخ الدولة العليّة) للمؤرّخ محمد فريد بك: "ينبغي التقرّب بقدر الإمكان من استانبول والهند، حيث إنّه من القضايا المسلّمة إنّ من يحكم على استانبول يمكنه حقيقة أن يحكم على الدنيا بأسرها، فلذلك من اللازم إحداث المحاربات المتتابعة، تارة مع الدولة العثمانيّة وتارة مع الدولة الإيرانيّة، وينبغي ضبط البحر الأسود شيئاً فشيئاً، وذلك لأجل إنشاء دار صناعات بحريّة فيه، والاستيلاء على بحر البلطيق أيضاً، لأنّه ألزم موقع لحصول المقصود، وللتعجيل بإضعاف إيران، بل بزوالها، لنتمكن من الوصول إلى خليج البصرة، وربّما نتمكن من إعادة تجارة الممالك الشرقيّة القديمة، إلى بلاد الشام والوصول منها إلى الهند، التي هي بمثابة مخزن الدنيا، وبهذه الوسيلة نستغني عن ذهب إنكلترا."
والمتابع للتدخّل العسكري الروسي المباشر في سوريّة منذ بداية الغارات الجويّة على قوى المعارضة في 30/9/2015، يدرك حجم الانفاق العسكري الكبير على هذه الحرب، وإن كانت روسيا تسعى لتحقيق أهدافها بأدنى التكاليف الماليّة والبشريّة، فقد استطاعت ابتزاز النظام بالحصول على قواعد جويّة وبحريّة مجانيّة، ونصب صواريخها على الأرض السوريّة، وتزويد الأسطول الروسي بالمياه العذبة والطعام والوقود المجاني، كما استطاعت تسويق الخردة المتراكمة في مستودعاتها منذ الحرب العالميّة، والتخلّص من الذخائر الحربيّة المشعّة والقذائف المنتهية الصلاحيّة، والغازات السامة.
وروّجت لأسلحتها الجديدة وطائراتها الحربيّة التي تعربد في سماء سوريّة صباح مساء، في غياب الأسلحة المضادّة للطائرات، وجرأتها على قتل المدنيين.
ومع هذا فقد أخذت تكلفة العمليات العسكرية الروسية في سوريا تتصاعد يوما بعد يوم، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الروسي انكماشا بسبب العقوبات الدولية، وانخفاض أسعار النفط.
مغامرة جريئة غير مأمونة العواقب، وجريمة قذرة يرتكبها بوتين في وضح النهار مع شريكه أمام سمع العالم وبصره، وانتهاك واسع لحقوق الأنسان، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، ورهان خاسر على هزيمة الجواد السوري الأصيل، دفع السوريّون الأباة ثمنه من دمائهم، وسيدفع ثمنه الصامتون والضالعون في جريمة سفك دماء السوريين وتهجيرهم عاجلاَ أم آجلاً.
وعندما يخرج المارد السوري من تحت الرماد منتصراً، سيعلم بوتين أيّة وصيّة أوصى بها جدّه بطرس الأكبر.
وطوبى للغرباء                                                                    رئيس التحرير
1/11/2016                                                                   محمد علي شاهين

الزيارات: 487