ماذا يفعل الروس في اللاذقيّة

نشر بتاريخ: الإثنين، 04 نيسان/أبريل 2016 بقلم: محمد علي شاهين

ضمن تفاهمات مريبة بين موسكو وواشنطن انتزعت روسيا الملف السوري من القبضة الإيرانيّة، وزجّت بقوّاتها في أواخر الصيف الماضي في أتون الثورة السوريّة لوضع نهاية للتراجعات العسكرية التي واجهها النظام في 2015 ، ونشرت منظومة الدفاع الجوي "S-400 تحت دعوى القضاء على الإرهاب، رغم أنّ معظم ضرباتها الجويّة كانت موجّهة نحو الفصائل الثوريّة، والأهداف المدنيّة، وقدّمت الغطاء الجوي لإخضاع المناطق السنيّة في ريف اللاذقيّة، تمهيداً لإقامة دويلة علويّة في الساحل السوري.  
واقتنص بوتين الفرصة المناسبة لتحقيق مكاسب بثمن بخس على حساب الشعب السوري المشرّد الممزّق الغارق في الدماء.
وقبل أن تفاجئ روسيا المتابعين للشأن السوري بانسحاب جزئي محدود لقواتها العسكريّة متذرّعة بتعزيز التسوية عبر المفاوضات، وقد وصلت إلى قناعة أنّ لا نهاية في الأفق القريب للأزمة السوريّة، وقّع الكرملين مع النظام السوري اتفاقاً سريّا بتاريخ 26 أغسطس 2015 يتيح لروسيا البقاء الطويل الأمد على الأراضي السوريّة،

وعلى حق العسكريين الروس والشحنات الروسية بالدخول والخروج من الأراضي السورية حسب الرغبة، بدون الخضوع لضوابط أو لتدقيق السلطات السورية.
وبموجب هذا الاتفاق تتمتع الوحدات العسكرية الروسية بالحصانة من الولاية القضائية المدنية والإدارية في سوريا، ولا يحق للجمهورية العربية السورية التقدم بأي طلبات للاتحاد الروسي ومجموعة الطيران الروسي وموظفيه، كما لا يحق لها رفع أي دعوى متعلقة بنشاط مجموعة الطيران الروسي وموظفيه، وتنصل روسيا من أي مسؤولية عن الأضرار الناجمة عن أنشطتها داخل سوريا وفقًا لبنود العقد.
وبموجب هذا الاتفاق السرّي حصلت روسيا على حقوق لا تحلم بها دولة استعماريّة، من نظام فقد شرعيّته، فغدت أرضها وأجواؤها وسواحلها مستباحة، وغدى مطار حميميم وميناء طرطوس من أهم القواعد الجويّة والبحريّة الروسيّة في الشرق الأوسط، ومركزاً هاماً لجمع المعلومات الاستخباريّة،

وأصبحت روسيا من أكبر المصدّرين للسلاح والمهمات العسكريّة للنظام السوري، ولم يتوقف تدفق السلع التجاريّة والحاصلات الزراعيّة بين موانئ سوريّة وروسيا، وفتحت الاتفاقيّة كغيرها من الاتفاقات السريّة الموقعة شهيّة رجال الأعمال فجاؤوا بمشاريعهم الصناعيّة والزراعيّة والسياحيّة ليقطفوا ثمرة هذا الاتفاق.

واستطاع النظام أن يوقف انهياره، ويستعيد أنفاسه، ويسترد العديد من المواقع التي فقدها، في اعقاب الغارات الجويّة الروسيّة على المدن المحرّرة وموقع الجيش الحر والفصائل المقاتلة.
ولم توفّر روسيا فرصة للدفاع عن النظام في المحافل الدوليّة، وإسباغ المشروعيّة عما يرتكبه من جرائم القتل والتدمير، وحمايته من أي قرار أممي يدينه أو يعاقبه إلا وانتهزتها.
وقدمت روسيا للنظام الخبراء العسكريين والمستشارين، وقام المدرّبون الروس بتدريب ضباط وجنود الأسد على أحدث الأسلحة.
والمتابع لسلسلة التنازلات الأسديّة السخيّة للدب الروسي، يلاحظ الاهتمام الواضح بالساحل السوري، حتى تساوره الشكوك بالنوايا الروسيّة، وما يبيّت النظام الباطني من مشاريع وخطط.
وخاصّة فيما يتعلّق باتفاق التنقيب عن النفط والغاز في الأرخبيل البحري السوري.
ففي غياب رقابة شعبيّة وحزبيّة، وصحافة حرّة، ومجلس نيابي تلفيقي وجد في ظروف استثنائيّة لتمرير سياسات الحكومة، وتحت نير أحكام الطوارئ، وقع الجانبان السوري والروسي ما يعرف بـ “عقد عمريت” البحري للتنقيب عن النفط وتنميته وإنتاجه في المياه الإقليمية السورية في البلوك رقم 2، بين جنوب طرطوس على الشاطئ حتى بانياس وبعمق 70 كيلومترًا، ومتوسط عرض 30 كيلومترًا، طيلة 25 عامًا بتمويل روسي.
ووقع العقد وزير النفط في حكومة النظام سليمان العباس وشركة سويوز نفتاغاز الروسية. وأشار العباس إلى أن المساحة التي يغطيها العقد تبلغ 2190 كيلومترًا مربعاً بقيمة 100 مليون دولار”.
وتناقش وفد من رجال الأعمال والصناعيين الروس مع فعاليات تجاريّة وصناعيّة في 27/2/2015 حول إقامة قرية للصادرات في اللاذقيّة، وقدّم الجانب الروسي عروضاً تجاريّة ومقترحات للتعاون في مجال الاستيراد والتصدير.
وتعتبر قرية الصادرات في قرية كرسانا عبارة عن تجمع لعدد من الشركات الروسيّة المهتمّة بالتصدير والاستيراد، حيث تقوم بشراء السلع والمنتجات السوريّة، وتصديرها لروسيا، وتستورد بضائع يحتاجها النظام السوري.
وأسّس رجال الأعمال الروس عدداً من المشاريع الصناعيّة في اللاذقيّة، وأعلنت الشركة الروسية المصنعة لسيارات “لادا”، أنها ستدخل الأسواق السورية “بأسعار منافسة، وستعمل على حجز مكان متميز لها في الأسواق المحلية” خلال العام 2016،
وافتتح الروس العام الحالي بإعلان شركة روسية حصولها على رخصة تشييد سياحية، بعد تقديمها لمخططات استثمار موقع جول جمال السياحي في اللاذقية، بكلفة إجمالية وصلت إلى 22 مليون يورو، ويهدف المشروع، إلى بناء مجمع سياحي من الدرجة “الممتازة”، مستوى أربعة نجوم، بإجمالي عدد غرف 502.
واقترح محافظ اللاذقيّة في حكومة النظام تحقيق توأمة بين مرفأي اللاذقيّة السوري، ونوفاراسيسك الروسي.
وظنّ بعض المغفّلين من سفهاء اللاذقيّة أنّهم يستطيعون الحصول على أرباح وفيرة من خلال موائد الفودكا ولحم الخنزير والخدمات السياحيّة، وأنّ عبارات الترحيب بجنود الاحتلال ورفع راياته لن تعفيهم من غضب الرب ومحق البركة في أموالهم وأولادهم.
وأمام العجز الغربي عن التدخّل الروسي في سوريّة، والموقف الأمريكي المريب تجاه ما يجري في المنطقة، يقف المواطن العربي كالمذهول أمام المشاريع المطروحة، وخاصّة مشروع تقسيم سوريّة تحت مسمى الكونفدراليّة، والحديث عن سوريّة المفيدة، ودويلة اللاذقيّة، وكردستان الغربيّة.
وكأنّ (سايكس بيكو) التي عشنا مرارتها، وفضحنا مؤامرتها، ورفعنا الغطاء عن الضالعين فيها، غير كافية لتمزيق أمّة العرب، وكبح تطلّعات الشعوب العربيّة نحو الحريّة والعدالة.
وطوبى للغرباء                                                               رئيس التحرير
1/4/2016                                                                 محمد علي شاهين

الزيارات: 790