قصة الأمانة

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 09 كانون2/يناير 2018 من كتب التراث


أمانة القاضي أبي بكر بن عبد الباقي
كان القاضي أبو بكر بن عبد الباقي مجاوراً بمكة المكرّمة حرسها الله تعالى فأصابه جوع شديد لم يجد شيئاً من الطعام يدفعه عنه .
فبينما هو يسير في دروب مكّة، وجد كيسا من حرير مشدوداً بشرّابة حرير أيضا فأخذه وجاء به إلى بيته فحلّه فوجد فيه عقداً من لؤلؤ لم ير مثله.
خرج القاضي أبو بكر من بيته فإذا بشيخ يحمل بيده خرقة فيها خمسمائة دينار ينادي:
المنادي: من وجد كيساً فيه عقد لؤلؤ فهذه مكافأة من يرده علينا .


القاضي يحدّث نفسه: أنا محتاج وأنا جائع فآخذ هذا الذهب فانتفع به وأرد عليه الكيس.
القاضي: تعالى أيّها المنادي . . هيّا معي إلى البيت .
القاضي: وما هي أيّها الشيخ علامة الكيس وعلامة اللؤلؤ، وعلامة الخيط؟.
الشيخ: إنّه كيس حرير، وشرّابته من حرير أيضاً، وحبّاته من اللؤلؤ الصافي، وعددها ثلاثون حبّة، والخيط الذي هو مشدود به حرير .
القاضي: خذ عقدك يا أخي .
الشيخ: هذه خمسمائة دينار مكافأة لك .
القاضي: لا آخذها، لأن من واجبي إعادة الأمانة لأهلها .
الشيخ: لا بدّ أن تأخذ المكافأة، فهي من حقك .
القاضي: والله لا آخذها .
الشيخ: شكراً لك يا سيّدي على أمانتك، وأستودعك الله فأنا مسافر الآن إلى جزيرة سرنديب .
القاضي: وأنا مسافر غداً من مكّة إلى الهند .
القاضي: هبّت العاصفة، والموج كالجبال، وبدأ المركب يتحطّم، ولا ملجأ لنا نحن الضعفاء إلاّ الله .
القاضي: سأحاول أن أطفو على ظهر هذه القطعة المهشّمة من الخشب حتّى أنجو بنفسي .
القاضي: لا أدري كم مضى عليّ في البحر، ولا أعلم أين سترمي الأمواج هذه القطعة الطافية من المركب .
القاضي: الحمد لله، إنّها اليابسة من بعيد، والموج يدفع حطام السفينة باتجاهها .
القاضي: الحمد لله، لقد ارتطم الحطام باليابسة، ووطأت رجلي بالأرض وما علي إلاّ أن أنام بعد هذه الرحلة الشاقّة .
رجل من أهل الجزيرة: انهض أيّها الرجل فقد أعددنا لك طعاماً وفيراً وماءً عذباً وسريراً دافئاً .
القاضي: شكراً لكم يا أهل الجزيرة على كرمكم وحسن ضيافتكم . . . ولا أدري كيف أردّ عليكم معروفكم .
رجل آخر يتحدّث إلى جماعة من أهل الجزيرة: ألم تسمعوا ترتيل هذا الرجل وهو يقرأ القرآن في صلاته .
صيّاد من أهل الجزيرة: سأبعث إليه بأولادي ليعلّمهم القرآن والكتابة بالعربيّة .
القاضي: أرسلوا إليّ أبناءكم لأعلمهم القراءة والكتابة والترتيل في المسجد رجل من أهل الجزيرة: عندنا صبيّة يتيمة ولها شيء من الدنيا نتمنّى أن ترضى بالزواج منها .
القاضي: أعتذر عن تحقيق أمنيتكم .
رجال يتحدّثون إلى القاضي: لا بد أن تتزوّج هذه الفتاة، فهي يتيمة وغنيّة .
القاضي: سأنزل عند رغبتكم .
وفي يوم الزفاف نظر القاضي إلى عروسه فوجد ذلك العقد بعينه معلقا في عنقها فما كان له حينئذ شغل إلاّ النظر إليه .
أهل الجزيرة: يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد ولم تنظر إليها.
القاضي: سأقصّ عليكم قصّة العقد .
وما أن بدأ القاضي يقصّ على أهل الجزيرة قصّة العقد حتّى رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير .
القاضي مستغرباً: وما بكم يا أهل الجزيرة ؟
رجل من أهل الجزيرة: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبيّة، وكان يقول ما وجدت في الدنيا مسلماً كهذا الذي ردّ عليّ هذا العقد، وكان يدعو ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوّجه بابنتي .
القاضي: سبحان الله . . لقد استجاب الله دعاء الرجل .
القاضي يتحدّث إلى عدد من الرجال: فبقيت معها مدّة ورزقت منها ولدين ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولدي، ثم مات الولدان فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار وهذا المال الذي ترون معي من بقايا ذلك المال.
من كتب التراث

الزيارات: 42