محمد بن علي الشوكاني الصنعاني

نشر بتاريخ: الأحد، 03 تموز/يوليو 2016 بقلم: محمد علي شاهين

(1173/1760 1250/1834)

فتح باب الاجتهاد والتحرّر من التعصّب المذهبي حتى أثار عليه قصّار النظر

الأستاذ الحجّة، المفسّر المحدّث المؤرّخ، المنطقي الجدلي النظّار، الإمام القدوة، العلاّمة المجتهد، خاتمة محدثي المشرق، الأصولي الفقيه، قاضي قضاة اليمن وشيخ الإسلام فيها، ومفتي الأمّة، شيخ الرواية والسماع، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها . 

ولد محمد بن علي بن محمد الشوكاني في هجرة شوكان من قرى السحاميّة، إحدى قبائل خولان، ونسب إليها، وهي قرية باليمن من ناحية ذمار. 

نشأ بصنعاء في حجر أبيه على العفاف والطهارة، وأخذ في طلب العلم وسماع العلماء الأعلام، قرأ على أبيه، وتتلمذ على أحمد بن محمد الحرازي ولازمه وبه انتفع، وعبد الله بن إسماعيل النهمي، والقاسم بن يحي الخولاني، وأخذ عن إسماعيل بن الحسن، والإمام عبد القادر الكوكباني وهو أعظم مشايخه، تفقّه على مذهب الإمام زيد وبرع فيه، واشتغل بعلم الحديث، حتى صار قدوة في طلب الحديث، وفاق فيه أهل زمانه، وكان كثير الاشتغال بمطالعة كتب التاريخ ومجاميع الأدب، مواظباً على طلب العلم طول حياته .

 

ولي القضاء، وتصدّى للتدريس والفتوى والتصنيف . 

اطلع على المذاهب الفقهيّة الأخرى، وانتهت به الدراسة إلى الاجتهاد، وغالب المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان يرى تحريم التقليد، ومن أجل ذلك حارب التقليد حرباً متّصلة، واجتهد برأيه اجتهاداً مطلقاً غير مقيّد، وألّف في ذلك رسالة (القول المفيد في حكم التقليد) . 

دعا إلى العودة للكتاب والسنّة، واستنباط الأحكام منهما، واعتبار المصادر الأخرى عرضة للنقد، وتحرير الدين من البدع، والمساواة بين أهل المذاهب سواء بسواء، لأن المأخذ واحد، والردّ واحد، وكانت عقيدته عقيدة مذهب السلف في حمل صفات الباري تعالى الواردة في القرآن الحكيم والسنّة النبويّة الصحيحة، على ظاهره من غير تأويل ولا تحريف، وألّف في ذلك رسالة: (التحف بمذهب السلف) .

وتوهّم المقلّدون أنه أراد هدم مذهب آل البيت، وثاروا عليه . 

يقول الأستاذ أنور الجندي: رفض الشوكاني كل رأي لا تنهض به حجّة، ورفض أن يأخذ الكتب القديمة قضية مسلّمة، ولم يعتبرها فوق مستوى النقد . 

فتح باب الاجتهاد، والتحرّر من التعصّب المذهبي حتى أثار عليه قصّار النظر، لكنه جادل خصومه بالحجّة والبرهان، وكان محور إصلاحه جمع الأحاديث الصحيحة، واعتمادها في الفتوى والرأي، ومن أجل ذلك وضع كتابه (نيل الأوطار شرح منتقي الأخبار من أحاديث سير الأخبار) في ثماني مجلدات و(فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير) و(الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) .

وكان واسع الثقافة، كثير التأليف، لم يجد علماً في زمانه إلا وخبره وأتقنه وأبدع فيه . 

خلّف تراثاً زاخراً في جميع العلوم الدينيّة والدنيويّة، بلغت كتبه مائة وأربعة وستين كتاباً منها (إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر) و(إتحاف المهرة) و(البدر الطالع بمحاسن من كان بعد القرن التاسع) ذيل به على الضوء اللامع للسخاوي و(أبطال دعوى الإجماع) و(السيل الجرّار المتدفّق على حدائق الأزهار) و(القول المفيد في أدلّة الاجتهاد والتقليد) و(إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ) و(نزل من اتقى بكشف أحوال المنتقى) و(أدب الطلب ومنتهى الأرب) و(تحفة الذاكرين شرح عدّة الحصن الحصين) و(إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد) و(شفاء العليل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل) و(شرح الصدور في تحريم رفع القبور) و(طيف النشر في المسائل العشر) و(الصوارم الهنديّة المسلولة على من أوجب غسل الفرجين قبل الوضوء) كما هو مذهب الزيدية. 

وكان رحب الأفق، صالحاً راغباً عن الدنيا، لم يقف بباب أمير، ولا قاض، ولا صحب أحداً من أهل الدنيا، أو خضع لطلب من مطالبها، بل كان مشتغلاً في جميع أوقاته بالعلم درساً وتدريساً، وإفتاءً، وتصنيفاً، راغباً في ملاقاة أهل العلم، والاستفادة منهم .

وخلال توليه القضاء، طبّق أفكاره عملياً، وحارب الفساد، وكتب رسائل عديدة لنشر العدل للعمال في أنحاء اليمن، يحثهم على الحكم بين الناس بالعدل، وعدم جباية ما لم يوجبه الشرع، وأمرهم بتحرير الأحكام، وعمل على كشف المظالم، ودفع كل ظالم . 

تفرّد دون علماء عصره بالتبحّر في العلوم، وسعة التلاميذ المحقّقين والنبلاء المدقّقين، وسعة التصانيف المحرّرة. توفي بصنعاء، ودفن بخزيمة .

وألّف في ترجمته تلميذه محمد بن حسن الشجني الذماري في (التقصار في جيد زمن عالم الأقاليم والأمصار) واعتنى بشرح بعض مناقبه وفضائله عدّة من العلماء الأعلام منهم: إبراهيم بن عبد الله الحوثي، ومحمد بن محمد الديلمي، ولطف الله جحّاف .

______________________________________________________________

(1) محاضرات في حاضر العالم الإسلامي ص 106 داوود الفاعوري . (2) فهرس الفهارس والأثبات ج 2 ث 1082 عبد الحي الكتاني . (3) معجم المؤلفين ج 11 ص 53 عمر رضا كحالة . (4) ذيل كشف الظنون م 1 ص 15 و 20 إسماعيل الباباني . (5) هدية العارفين م 2 ص 365 إسماعيل الباباني . (6) اليقظة الإسلامية في مقاومة الاستعمار ص 60 أنور الجندي . (7) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني . (8) الإمام الشوكاني: سيرته وفكره د. عادل محمد علي . (9) التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأوّل ص 443 صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي .

 

الزيارات: 439