سوريّة لن تكون قاعدة عسكريّة روسيّة بهذه البساطة

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 09 كانون2/يناير 2018 بقلم: محمد علي شاهين


كان من بواعث فخر السوريين واعتزازهم بعد الاستقلال، عشقهم للحريّة وانعتاقهم من النفوذ الأجنبي، ورفضهم الأحلاف العسكريّة، وإقامة القواعد العسكريّة على أراضيهم، ورفضهم التدخّل الخارجي في الشأن السوري الداخلي، حتى جاءهم من ذبح أبناءهم، واستحيا نساءهم، وفرّط في استقلالهم، واستعان بالميليشيات الأجنبيّة والعصابات الطائفيّة على قمعهم.
ولمّا بدأ الأسد يترنّح اشترى بقاءه في الحكم بعقد اتفاقيّة منح بموجبها روسيا قواعد عسكريّة، جسّد من خلالها خدمة المصالح الأجنبيّة على حساب شعبه.
وليس سراً القول بأنّ روسيا الاتحاديّة وريثة الاتحاد السوفييتي البائد قد وجدت الفرصة المواتية لتنفيذ استراتيجيّة شاملة للهيمنة والسيطرة على الشرق الأوسط، وضمان للوجود، ونشر القواعد العسكريّة على أراضي الغير، باعتبارها إحدى أدوات السيطرة على الشعوب التي تقع القواعد على أرضها، وتهديد للشعوب المجاورة لها.


ويبدو حتّى الآن أن منح القواعد العسكريّة البحريّة والجويّة للقوات الروسيّة في الأراضي السوريّة قد بات أمراً مقلقاً للسوريين جميعاً، وخاصّة بعد نشر نص الاتفاقيّة الروسيّة السوريّة المتضمنة:
"يسري مفعول هذه الاتفاقية لمدة 49 عاما، وتجدد تلقائيا لفترات أخرى مدتها 25 عاما، ما لم يخطر أي طرف الطرف الآخر قبل انتهاء المدة بما لا يقل عن عام".
و"السماح لوحدات من القوات الجوية الروسية بالانتفاع المجاني بمطار حميميم ومنشآته بريف اللاذقية، وإقامة قاعدة عسكرية بحرية في سورية، وتنص الوثيقة على "تمتع نقطة الدعم المادي - الفني بحصانة كاملة من القوانين المدنية والإدارية للجمهورية العربية السورية"، على أن "تتمتع منقولاتها ومبانيها بالحصانة من التفتيش والمصادرة والحجز والأعمال التنفيذية".
وأعلنت روسيا عزمها على تعزيز البنى التحتية لمنشآتها العسكرية البحرية والجوية في سورية بهدف تحويلها إلى قواعد تواجد طويل الأمد.
وأكد مسؤولون عسكريون روس أن الوجود العسكري بحراً وجواً في سورية «يشكل أساساً لضمان الاستقرار في الشرق الأوسط».
وبفضل القواعد الروسيّة أصبحت مهمة القوات المسلحة الروسية في سوريا أكبر مهمة في الخارج. وبفضلها تمكنت حكومة دمشق في غضون عامين من تحرير مساحات واسعة من الأراضي التي سيطرت عليها فصائل المعارضة المسلّحة.
وبفضلها أيضاً تحوّلت البلاد السوريّة إلى حقل تجارب لآلة القتل والدمار الروسيّة، عندما اختبرت روسيا أحدث الأسلحة في ظروف القتال، محدثة خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
وكان من إخلاص النظام ووفائه للحليف الروسي، أن جعل إقامة القواعد العسكريّة الأجنبيّة على الأراضي السوريّة حكراً عليه.
وكان مصدر مسؤول في وزارة الخارجيّة السوريّة قد عاتب الولايات المتحدة قائلاً: ب"أن وجود القوات الأمريكية وأي وجود عسكري أجنبي في سورية بدون موافقة الحكومة السورية هو عدوان موصوف واعتداء على السيادة السورية وانتهاك صارخ لميثاق ومبادئ الأمم المتحدة."
أمّا روسيا فلا تشكّل قواعدها أي شكل من أشكال العدوان والاعتداء رغم الجرائم التي ارتكبتها ضد الشعب السوري!!.تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.
ومع هدوء جبهات القتال،  يتحوّل قلق السوريين وهواجسهم إلى خطر حقيقي بعد تحوّل روسيا من شريك للأسد في قتل السوريين وتشريدهم وتدمير مدنهم، إلى ضامن لوقف إطلاق النار، وراعي للمفاوضات بين قوى المعارضة والنظام في استانة وسوتشي.
وليت السوريين يدركون في وقت مبكّر حقيقة الأخطار الناجمة عن إقامة قواعد عسكريّة روسيّة تكبّل حريّة قرارهم السياسي، وتربطهم بعجلة أحلاف عسكريّة تجرّ عليهم الخراب والدمار، وتجلب عليهم عداوة الآخرين.
وتفتح أعينهم على المخاطر الكارثيّة الناجمة عن إقامة قواعد عسكريّة بجوار مدنهم العامرة وقراهم المكتظّة بالسكان مثل اللاذقيّة وطرطوس، وتعريض سلامة السكان للهلاك في حال وقوع حرب بين الروس وأعدائهم، أو في حالة وقوع انفجارات ناجمة عن سوء التصنيع وسوء التخزين، ومن يستطيع أن يضمن عدم احتفاظ روسيا في قواعدها بأسلحة الدمار الشامل، والأسلحة النوويّة، وأنّ روسيا لن تجعل من الأرض السوريّة مقابر للنفايات النوويّة.
وليس من الصعب معرفة سبب اختيار موقع القاعدتين البحريّة والجويّة، المتمثّل في حراسة الأرخبيل النفطي السوري الذي يسيل له لعاب الدب الروسي، وما وقعه بشار الأسد من عقود سريّة للتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما، بشروط مجحفة بحق السوريين. 
ويحاول الروس بعد نجاحهم في خفض سقف الثورة وقمعها، خداع السوريين والدول المجاورة بإعلانهم للمرّة الثالثة عن انسحاب قوّاتهم، وما هي في الحقيقة سوى تبديل للقوّات وإعادة تموضعها، ولا يدخل في موضوع سحب القوات، الضباط والجنود والمستشارين داخل حميميم الجويّة، وطرطوس البحريّة، التي تسعى روسيا لتوسيعها لتكون أكبر مخزن استراتيجى للسلاح والعتاد الروسي في المنطقة.
وبهذه الاتفاقيّة الخيانيّة كرّس النظام الساحل السوري الذي يدّعي محبته، ليكون بؤرة تجسّس ورصد للنشاط العسكري للأساطيل العسكريّة التي تجوب البحر المتوسط، وللقواعد العسكريّة الأمريكيّة في تركيّا ودول الخليج.
مما يضعه على خارطة الأهداف المعادية في أيّة عمليّة عسكريّة يقوم بها حلف الأطلسي، وتكون سوريّة بهذه المصيبة قد فتحت على نفسها باب جهنّم.
تستطيع يا سيّد بوتين أن تتآمر على ثورة الكرامة لتعيد السوريين إلى بيت الطاعة، ولكنك لا تستطيع خداع السوريين بمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وأنت تحوّل البلاد السوريّة إلى قواعد عسكريّة قابلة للانفجار بجوار مدنهم وقراهم، بينما السوريّون يلعقون دماءهم.

وطوبى للغرباء                                                                      رئيس التحرير
1/1/2018                                                                       محمد علي شاهين



الزيارات: 46