دعونا ننفرد لننظر لمن تكون النُصرة فنقاتل معه

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 01 كانون1/ديسمبر 2015 بقلم: محمد علي شاهين

في الرابع والعشرين من شهر آب سنة 1516م وقف الأمير فخر الدين المعني يرقب سير معركة مرج دابق بين جيش الدولة العثمانيّة بقيادة السلطان سليم الأوّل، وجيش المماليك بقيادة قانصوه الغوري، وهو يدرك تماماً ثمن انحيازه إلى أحد الطرفين المتحاربين في هذه المعركة الفاصلة، لأن المنتصر سيستبيح كلّ شيء، والمغلوب سيدفع ثمن ضعفه وانهزامه.

وهنا تدخّل السلوك الانتهازي في عقليّة فخر الدين، فأخذ ينتظر ميل كفّة المعركة ليلتحق بالفريق المنتصر، وقال لبعض الأمراء اللبنانيين عبارته المشهورة: "دعونا ننفرد لننظر لمن تكون النصرة فنقاتل معه".

 وعندما انتهت المعركة التي فتحت الطريق أمام العثمانيين إلى الشام ومصر وأنهت حكم المماليك فيهما، ذهب الى دمشق لاستقبال السلطان سليم الاول، الذي ثبته في إمارة لبنان، الا انه لم يكن موضع ثقة العثمانيين الذين عادوا فقتلوه، ثم قتلوا ابنه قرقماز، وأخيرا قتلوا حفيده الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي كان مسيحيّاً يتقنّع بقناع الدروز.

محاولات إحراز المكاسب والمغانم الشخصيّة بأقل ثمن، وتغيير المواقف السياسيّة والقدرة على التلوّن الفكري بسهولة، مع تغيّر الظروف للحصول على منافع أكبر، واقتناص الفرص بطريقة غير أخلاقيّة، للسطو على السلطة وقطف ثمرة الثورة، واغتنام الفرص دون النظر إلى المصلحة العامّة، أو العواقب البعيدة، يضعنا اليوم أمام مشهد خطير ونحن نراقب تطوّر المسألة السوريّة، حتى كدنا نخشى الانتهازيين خشيتنا من أعداء الثورة.

لم يتورع الانتهازيّون عن استغلال جميع الوسائل لتحقيق مصالح ذاتيّة على حساب المصلحة العامّة، فهم مع النظام حتى ولو حوّل سوريّة إلى معسكر اعتقال، وتعامل مع الشعب السوري كشعب محتل، وارتكب قبل الثورة مجزرة حماه وسجن تدمر، وبعد الثورة ما لا يحصى من الجرائم والآثام.

هم معارضة داخليّة يعقدون المؤتمرات، ويحيكون الدسائس في الداخل والخارج بمباركة النظام، ويطرحون أنفسهم كبديل عن الثوّار الذين عمّدوا كفاحهم المرير بالدماء، ويدّعون تمثيل الشعب السوري الذي يدفع ثمن استبداد النظام وقمعه وفساده.

هم مع الغزو الصفوي الباطني المتحالف مع النظام النصيري، كما كانوا مع جنكيز وهولاكو، لأنّهم على استعداد للتخلّي عن كل المذاهب والعقائد إذا اقتضت مصلحتهم ذلك. 

وهم المرحّبون بالاحتلال الروسي الغبي الذي وضع نفسه في مواجهة بحر العالم السني، الذي يستطيع بمقاطعته للبضائع الروسيّة، جعل روسيا الطامعة بالسيطرة على الساحل السوري تدفع ثمناً غالياً لتحويل سوريّة إلى بستان خلفي لروسيا، وسوقاً لمنتجاتها الرديئة، وأسلحتها المتخلّفة، ولقد رأينا الانتهازيين يرفعون أعلام روسيا الغازية، وصور زعيم الاحتلال بوتين، دون خجل أو حياء، مرحبين بالغزاة. 

ولأنّهم انتهازيّون تراهم يرصدون أخطاء الثورة باسم النقد الموضوعي، ويشكّكون برموزها، ويتهمون أبطالها الشرفاء بالتطرّف والإرهاب، أولئك الذين يحبون الموت كما يحب الانتهازيّون الحياة. 

ولقد علّمتهم انتهازيّتهم التربّص بكل إصلاح، وتحيّن الفرص للانقضاض على السلطة بعد نجاح كلّ ثورة، وقد أنهك أبطالها الكفاح والسجون والمنافي، والدولة في أشد حالات الضعف، كما حدث في مصر واليمن، يوم انفجرت الثورة على الفساد والاستبداد السياسي كالبركان. 

ويتلبّس الانتهازيّون أشكالاً متعددة، فتراهم يتجمعون في ميليشيات وكتائب وفصائل ثوريّة مدعومة من النظام، أو على شكل أحزاب سياسيّة ترفع شعارات فضفاضة لخداع البسطاء والمغفّلين، أو تكتلات انتهازيّة تتأرجح بين أطراف الصراع، بانتظار من تكون له الغلبة، والله غالب على أمره.

ويتمتع الانتهازي بقدرة على الخداع والمناورة والتنظير والخداع والتلوّن كالحرباء، والتسلّق للوصول إلى مآربه كنبات اللبلاب، فهو دائماً يمتصّ دماء الشعب كما يمتص اللبلاب غذاء الأشجار الباسقة.

ولم يكن فخر الدين حالة فريدة في المشرق العربي، فلقد حدثتنا بطون الكتب عن جماعات كانت إذا وقع ما يستوجب تحديد موقف خطير كالحرب تنقسم إلى فريقين، فينضم كل فريق الى أحد الخصمين المتحاربين، حفاظا على تراثه البالي، وماله الحرام، أيّاً كان المنتصر في نهاية المعارك، فنصف النصر خير من الهزيمة.

أرأيت كيف استغلّت طهران الأوضاع المأساويّة في سوريّة فأرسلت عصاباتها لتبسط سيطرتها على البلاد السوريّة تحت ذريعة دعم حليفها السوري، وكيف انتهز بوتين فشل إيران في القضاء على الثورة، وأخطاء داعش، فأرسل بأساطيله وقوّاته تحت شعار الحرب على الإرهاب.

صور شتّى لدول انتهازيّة تستغل مأساة الشعوب لتحقيق أطماعها يمقتها الله، وتنظر الشعوب إليها باشمئزاز، مثلها كمثل التاجر اليهودي الذي يركب حماره ويسير خلف الجيوش المتحاربة ليشتري من المنتصر الأسلاب والغنائم بسعر بخس. 

 

الزيارات: 694