منشور الثورة الثاني للشريف الحسين بن علي

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 02 آب/أغسطس 2016 .

بِسْم الله الرحمن الرحيم

( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون )

"لقد رأينا منعا للالتباس ومنعا لما عسى ان يحدث من التردد في حقيقة قيامنا ونهضتنا معاشر الحجازيين الموضحة اسبابها في منشورنا الاول، ان نردفه بهذه الاسطر ليكون منها لأفاضل العالم عموما والمسلمين خصوصا زيادة الاطلاع على نياتنا ومقاصدنا المتعلقة بكياننا من حيث هو، ملتزمين فيها اقرب المواد عهدا وابسطها دلالة. 

من المعلوم ان عقلاء المسلمين وذوي البصيرة من ساكني الممالك العثمانية وسائر اقطار الدنيا،غير راضين عن دخول الدولة العثمانية في الحرب الحاضرة ولأسباب جوهرية اجمعوا عليها :منها ان الدولة العثمانية قريبة عهد الخروج من الحرب الايطالية اولا والحرب البلقانيّة ثانيا وقد اصاب جيوشها وخزائنها وكل مرافقها وعامة تشكلاتها من الضعف والضياع والفناء ما لا يخفى تأثيره على ثروة الدولة خاصة وثروة المملكة واهلها عامة حتى كان الجندي لا يكاد يصل قريته او مكان عمله ليحصل على ما يسد به رمقه ورمق اولاده وسائر اهل بيته الا ويكون قد دعي الى التجنيد مرة ثانية وهكذا شأن الصانع والحمال والمحتطب.

 

فالأمة التي اصيب افرادها بمثل هذه الكوارث لا ترى حاجة الى بيان مصيرها ومصير دولتها اذا دفعت بنفسها في هوة حرب جديدة لا تشبه غيرها من الحروب، لا سيما وان واردات الدولة من الضرائب المفروضة على مساعي هؤلاء الافراد المنكودي الحظ بين تجارية وصناعية وزراعية.

هذا احد الاسباب التي حملت عقلاء المسلمين على استنكار دخول الدولة في الحرب الحاضرة، وهو سبب مبني على حقيقة الحالة الداخلية في كل بلاد السلطنة. وهنالك أسباب خارجية تتعلق بالجهة التي انحازت الحكومة الاتحادية الى الحرب معها ضد الفريق الاخر من الدول المشتبكة في الحرب. فإن الدولة العثمانية دولة اسلامية وبلادها مترامية الاطراف كثيرة السواحل، فكانت السياسة التي سار عليها سلاطين آل عثمان العظام من قديم الزمان تحسين الصلات والعلاقات مع الدول التي يسكن ممالكها القسم الاعظم من المسلمين والتي لا تزال صاحبة الارجحية في البحا، فلما دخلت الحكومة الاتحادية في الحرب ضد هذه الدولة منحازة الى فريق آخر كثير الطمع واسع الجشع لضيق بلاده عن ساكنيها تشاءم من ذلك أهل النظر والروية من المسلمين لعلمهم بما يكون من نتائجه السيئة قبل حدوثها.

ولقد كنت من جملة هؤلاء عندما سئلت تلغرافيا عن رأيي في هذه الحرب فأجبت بما اقتضاه واجب النصح. وهذا مما اتخذه دليلا على اخلاصي لهذه الدولة وحرصي على سلامتها وصيانة الاسلام. 

وها قد حصل ما كنا نخشاه، وانتهت الدولة الى ما تخوفناه، واصبحت حدود المملكة العثمانية اليوم في اوروبا أسوار الآستانه تقريبا. وان طلائع جيوش الروس تتخطف الأهالي العثمانيين في ضواحي ولايتي سيواس والموصل، وطلائع الانكليز تسوق الألوف الاسرى من ابناء هذه المملكة في بادية العريش بعد ان استولت على ولاية البصرة وشطر من ولاية بغداد.

ولاشك في ان من تأمل هذه الحالة ورأى ان الحرب لا تزال قائمة على ساق وقدم لا يحتاج الى كبير عناء في استجلاء النتيجة التي لا تخرج عن احد امرين: فإما ان نستسلم الى هذا الخطر الداهم حتى نزول من خريطة العالم او ان نسعى الى الخلاص منه.

اننا نترك للعالم بأسره التأمل في هذا والجواب عليه، وليس عندنا اقل ريبة في انهم يعذروننا في نهوضنا الذي جاء في وقته قبل ان تحيط المهالك بالبقية الباقية من هذا الملك فتأخذنا على غرة بل اننا لا نتردد في مشروعية نهوضنا ووجوبه علينا. ولو كنا نعلم بأن بقاءنا مرتبطين بهذه الدولة التي اصبحت العوبة في أيدي المتغلبين مما ينفعها ويحفظ لها املاكها لما تحركنا بشيء مما قمنا به ولصبرنا وتحملنا كل ما يحملوننا اياه. لكن أنى لنا ذلك وقد صار من المقطوع به اننا لو استسلمنا لما هم سائرون بنا اليه لأدى ذلك بنا وبهم الى هوة الاضمحلال التي تسقط فيها الولايات الاخرى على مرأى ومسمع. 

نعم اننا نقول هذا ونترك الحكم فيه الى انصاف العالم اجمع، ولكننا لا نستطيع السكوت على المجاهرة بان السبب الوحيد لمحو هذه الدولة وابادة من بقي لها من التبعة وهم سكان الاناضول وغيرهم انما هو استرسال المتغلبة من زعماء الاتحاديين وهم أنور وجمال وطلعت واشياعهم، وخروج الدولة عن خطتها السياسية الاساسية التي وضعها عظماء سواس العثمانيون وهي خطة موالاة الدولتين المعظمتين بريطانيا وفرنسا التي لا ينكر فوائدها الا من ينكر التاريخ ويكفي لمعرفة اخلاق زعماء الاتحاديين ومقدار صدقهم ووفائهم انه لم يمض غير زمن يسير على عقد القرض الذي ساعدتهم به فرنسا وهم في اشد الحاجة اليه حتى انضموا الى اعدائها واعلنوا الحرب عليها. واننا لا نستدل على ما ذكرنا من اخلاقهم بهذا العمل دون سواه الا لشهرته المستفيضة بين عموم الناس وقرب عهدنا به. اضف الى ذلك ما يلقاه الاهالي العثمانيون لا فرق بين مسلمهم وذميهم من ضروب العسف والجور اللذين يحجب ركامها ضياء الشمس، لا سيما ما ارتكبه القابضون على ازمة الحكومة من هؤلاء المتغلبة واشياعهم اثناء هذه الحرب من ظلم اهل ذمتنا من الروم والأرمن خلافا لما جاءت به شريعتنا المطهرة. ثم نهجوا هذا المنهج في ابناء العرب بالشام والعراق وغيرهم مما هو معلوم الى يومنا هذا، كإيقاعهم بأهالي العوالي التي هي احدى ضواحي المدينة المنورة من سبي مخدرات العرب وسوقهم الى الثكنات العسكرية بما تأباه الشريعة الاسلامية والشهامة العربية.

نعم اننا قمنا ولا يزال قيامنا ومجاهرتنا بالعداوة والبغضاء مقصودا بهما انور وجمال وطلعت وشيعتهم، وانه ليشاركنا في ذلك كل مسلم عاقل حتى افراد البيت العثماني ودليلنا مع مشاركة هذا البيت الجليل اغتيال المتغلبة لعميده الشهيد السعيد ولي عهد السلطنة المغفور له المرحوم يوسف عزالدين. واننا نتبرأ منهم ونظهر لهم العداوة والبغضاء ويشترك معنا فيها كل تقي من مسلمي البلاد العثمانية وسائر البلاد الاسلامية، بسبب ما أنوه من الوبال وما جروه على دولة الاسلام من الاضمحلال، التي جعلوها ضحية لأغراضهم وغاياتهم النفسية. نبرأ الى الله منهم ونعلم انها كلمة حق عليها نحيا وعليها نموت. وكيف لا نقول هذا وامامنا في عبر الدهر ما نسرده على اخواننا المسلمين ليعلموه ويعوه.

فإن جمال باشا المتحكم في الشام واهلها قد امر سكان ذلك القطر الاسلامي بأن يؤلفوا من مخدرات نسائهم جمعية نسائية ثم اوعز الى هذه الجمعية ان تؤدب له مأدبة في ناديها، وقد تم ذلك بالفعل وحضرها هو ورجال العسكرية والملكية ومن دعاهم من سائر رجاله وأعوانه، وكان النسوة المسلمات اعضاء هذه الجمعية يباشرن اكرام ضيوفهن. وعند ختام الحفلة شرعن في القاء الخطب والاناشيد بين تلك الجماهير من الرجال، كما نشرت ذلك صحف سوريا على اختلاف مشاربها، مظهره الاعجاب والفخر ارضاء لجمال باشا. فسبحان الله تعالى يقول في محكم كتابه الكريم ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين) وقوله تعالى ( وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن او آبائهن...) الآية من هذا يعلم صراحة مراد هؤلاء المتغلبين ومقاصدهم بالشريعة الاسلامية والعادات العربية، وفيه عبرة وذكرى لإخواننا مسلمي البلاد العثمانية وسائر اخواننا في اقطار الدنيا ليتعظوا بذلك ولا يكونوا سببا لاسترسال هؤلاء الطغاة في انتهاك حرمات الله والجرأة على مخالفة اوامره لجاه يستفيدونه او راتب يستزيدونه. فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومن كان قد وهبه الله تعالى قوة على تغيير هذا المنكر بيده او لسانه او قلبه فليفعل. ومن كان لديه ما يدافع به عن جراءة هؤلاء القوم المتغلبين فليأتنا به، فإننا ان شاء الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

"وانا او إياكم لعلى هدى او في ضلال مبين".

تحريرا في 21 ذي القعدة الحرام 1334هـ 20 ايلول 1916 م.

شريف مكة المكرمة وأميرها الحسين بن علي"

 

الزيارات: 448