قبل أن نستجير من الرمضاء بالنار

نشر بتاريخ: الجمعة، 01 نيسان/أبريل 2005
كتب بواسطة: بقلم: محمد علي شاهين

قابليّتنا للاستبداد والاستعباد، وطاعتنا حكّام الجور، ورضانا بحكم الخصيان وقادة الجند والأوصياء عبر التاريخ، شجّع المتسلّطين علينا والطغاة لقهرنا والاستخفاف بنا. 

زوّرت إرادة الشعوب في انتخابات المجالس النيابيّة والتشريعيّة على نطاق واسع ولا تزال تزوّر، وتحوّلت الانتخابات الرئاسيّة إلى استفتاءات للتجديد والتوريث، حتّى أصبحنا أضحوكة هذا الزمان، بسبب المغالاة في النسب الأسطوريّة، والإصرار على هذا النهج، وليس ذلك سرّا.

وبسبب سكوتنا ونفاقنا نعت الناصحون منّا والصالحون بأبشع النعوت وأقبحها، فوصفوا بالخيانة للوطن والعمالة للأجنبي، وصمتنا على جريمة سحق واستئصال كل معارض شريف، بينما كانت شعوب العالم الحر تتنافس على طرح برامجها عبر مؤسّسات مجتمعاتها الحرّة، وتسعى لتقديم الأصلح واختيار القادرين على تنفيذ كل ما يعود على أوطانها بالتقدّم، وتتبادل المقاعد عن طيب خاطر وبكل تواضع. 

وكمّمت الأفواه، وصودر الرأي الآخر، وصار للجدران آذان، وأمّمت الصحف وسائر وسائل الإعلام، وخضعت المطبوعات لمقص الرقيب، وتحوّلت منابرها من مدارس لتوعية الجمهور وتثقيفه إلى أبواق دعاية وتأليه للفرد. 

وأصاب الركود حركة الثقافة والتأليف والنشر، وتردّت أحوال المطابع، وانتشرت الأميّة في عصر العلم وطغت الثقافة الضحلة والسطحيّة، وكثر الأدعياء والمتنطّعون والراقصون على الجراح، وغاب عن ساحاتنا عمالقة الفكر والأدب الذين كانوا يرتفعون بقاماتهم كالأطواد في سماء الدنيا. 

وارتفعت نسبة البطالة والعنوسة والفقر والحرمان والإدمان والتضخّم، وزاد حجم المديونيّة، وارتفعت فاتورة خدمة الدين العام، وابتليت بلادنا بالتصحّر وتقلّص المساحات المزروعة على حساب التوسّع العشوائي للمدن، وانحسر الفرات وهدّد النيل، وتفاقمت أزمة المياه والطاقة، وقلّ الانتاج الزراعي والحيواني، وتحوّلت موائدنا إلى مستهلك شره لنفايات أغذية العالم، واستحكمت أزمة المساكن الصحيّة، بسبب سوء التخطيط وتخلفه، وجمود روح القوانين وتحجرها، ونقص كفاءة العاملين في إدارة الموارد البشريّة والاقتصاديّة، وفساد ذمم رجال لم يحسنوا حمل الأمانة.

وفشت ظاهرة الهجرة الاقتصاديّة بين الشباب، وزاد عدد اللاجئين السياسيّين طلبا للحريّة، والفارّين من القمع إلى العالم الحر، وتفاقمت هجرة العقول والكفاءات إلى أوروبا رغم ارتفاع حدّة الكراهية ضدّ المهاجرين، وسوء معاملة السلطات الحكوميّة لهم.

ولم تحرّر الأراضي المغتصبة في عهد الهزائم والتنازلات، واحتلّت أراض جديدة، وأعيدت أخرى منزوعة السلاح، وانتكست قضايا الأمّة المصيريّة على أيدي الأدعياء، واحتلّت بلاد جديدة، وبني جدار الفصل العنصري بإسمنت عربي، وشيّدت المستعمرات بأيد فلسطينيّة ضالّة، وتوسّعت المستوطنات في الأراضي المحتلّة، وزيد عمق الخندق الشرقي وامتدّ ساتره الترابي، وهوّدت القدس، وهدّد الحرم القدسي الشريف بالاجتياح وهيّئت الأحجار لإقامة الهيكل على أنقاضه.

وزاد عدد السجون والمعتقلات على حساب المدارس والمستشفيات، وتوسّعت مساحة المنافي خارج الوطن، وتفنّنت أنظمة القمع بأساليب التعذيب، وقتل الأحرار في السجون أمام سمع العالم وبصره، وانتزاعت الاعترافات من المتهمين على ذمّة التحقيق بطرق مبتكرة (راجع تقارير انتهاك حقوق الإنسان) حتى صار أشدّ ما يخشاه المعتقل في (غوانتانامو) أن يسلّم إلى دولته للتحقيق معه، وسلّمت ملفّات المعارضة الإسلامية على سعتها إلى أمريكا كنوع من التعاون الأمني، وتعبير عن حسن النوايا.

وهكذا أصبح المواطن الحرّ غريبا في بلده، مطاردا في منفاه، محاصرا بعيون السلطة، محروما من حقّوقه المدنيّة والانسانيّة، متهما بالإرهاب والتطرّف.

وأخيرا أما آن لهذا الشرق المسكين أن تعود إليه ثقته بنفسه، ويستنشق نسيم الحريّة، ويتخلّص من كل عقبة كأداء تقف دون بلوغه أسمى الغايات قبل أن تستجير شعوبه المسحوقة من الرمضاء بالنار. 

 وطوبى للغرباء 

1/4/2005 

لماذا الخوف من الغرباء (الزينو فوبيا)؟

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 01 شباط/فبراير 2005
كتب بواسطة: محمد علي شاهين

تصاعدت تحت ستار البحث الأكاديمي الحملات ضدّ الغرباء في كتب ومقالات منشورة لعدد من الكتّاب والصحفيين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) ، ووجد المتعصّبون في أوروبا الفرصة مواتية في مواجهتهم مع المسلمين استرجاع كل المخزون التاريخي (منذ الحروب الصليبيّة) والترويج لقصص خياليّة حول مشاريع وهميّة لغزو العالم من قبل منظّمات إسلاميّة تسعي لأسلمة أوروبا، بل ذهب البعض إلى تحريض الأمم الأوروبيّة لمنع هجرة المسلمين خشية عودة الإسلام إلى أوروبا بسبب الخلل الديموغرافي في حوض البحر الأبيض المتوسّط لصالح شعوب الضفّة الجنوبيّة، واتهام المهاجرين بالإرهاب وزعزعة استقرار الأمم الأوروبيّة، وتحدّث آخرون عن تقاطع مصالح موهومة بين أمريكا والإسلام السياسي، وخرج البعض عن صمتهم بنتيجة خبيثة مفادها أن الحل الجذري لهذه المشكلة تهجير كل المسلمين من أوروبا (العلمانيّة) وتسليمهم إلى دولهم الأصليّة. 

وانبرت أقلام غير مسؤولة في عالمنا العربي للهجوم على المهاجرين والمهجّرين المسلمين في الغرب، تنتقم وتتشفّى من جماعات الإسلام السياسي المتهمة ظلما بالإرهاب والتطرّف في بلادها لتأكيد هذه الهواجس، وكأنّ العالم قد أصيب فعلا بفوبيا الغرباء. 

إنّ الوطن المادي لا معنى له إذا فقد الإنسان كرامته في موطنه، ومن أجل ذلك آثر هؤلاء الغرباء بعزّة الأبيّ وشموخه الهجرة والاغتراب، ومفارقة الأهل والوطن، في رحلة البحث عن الكرامة، بعيدا عن الزاحفين على بطونهم كالحشرات، ليس لأنّهم فقراء جائعون كما يتصوّر من سرق قوت الشعوب ونهب خيراتها، ولكن لأنّهم فقدوا خبز الكرامة في بلادهم، ولأنّهم يدركون أن أرض الله واسعة، وأنّهم مقبلون على رب كريم.

إنّ بلاد المسلمين ليست فقيرة، وليست عاجزة عن إطعام الملايين فهي سلّة الغذاء، وخزانة الذهب، ومستودع الخيرات، بما حباها ربّها من ثروات، رغم الفساد المستشري، وسوء تخطيط الموارد، وسوء الإدارة، أمّا ثروتها البشريّة فهي جوهرة لا تقدّر بثمن. 

وإنّ من نبا به وطنه من الشباب المبدع الخلاّق، أبناء الأصول والكرم، ذوي العلم والقلم، فرحل إلى بلاد الله وهو يحلم بالحريّة والانعتاق والحياة الكريمة بعيدا عن الاستبداد والقمع، أحق بالرعاية والتقدير والدعم والتأييد في عالم ديمقراطي حرّ يدّعي حماية حقوق الإنسان، ويمقت الممارسات الفظّة على المستضعفين.

ليت كل المنصفين في عالمنا يدركون أنّ القوى الغبيّة التي استنسخت الديكتاتوريّات وتحالفت معها، هي التي لا تزال تروّج للتعصّب ضد الغرباء (الغرباء فوبيا) وأنّها قد وقعت في وهم صوّره لها خيالها المريض، وأعانها عليه قوى أشدّ غباء احتكرت الحقيقة، وألغت الإنسان، وفرّخت العنف وزرعت البغضاء ليس في منطقتنا المنكوبة فحسب بل في العالم أجمع.

وأخيرا فهل أصبح العالم مكانا مرعبا إلى هذه الدرجة حتّى انتشرت هذه الفوبيا كالوباء في عالمنا؟

وطوبى للغرباء 

1/2/2005

الأرانب المذعورة

نشر بتاريخ: الأحد، 23 كانون2/يناير 2005
كتب بواسطة: بقلم: محمد علي شاهين

عمّدت شعوبنا الاستقلال بالدماء وانتزعته من براثن الاستعمار، وتوارى أبطال الاستقلال بهدوء وقد ظنّوا أنّ مهمتهم قد انتهت بعد تسليم الأمانة، وحسبوا أنّ الوطن يسيرعلى درب الحريّة والتقدّم والرفاه، فجاءت حكومات انقلابيّة عسكرية ظالمة ساقت الشعوب المسلمة بسيف الاستبداد، والتهمت الحب من قلوب العباد حكّاما ومحكومين، والتفّ حول كل زعيم طائفة من أهل الأهواء والمصالح الضيّقة، كما يجتمع الذباب على الحلوى، وتشكّلت أحزاب احتكرت الحقيقة، ورسّخت معاني الاستبداد، وكانت شعاراتها الكبيرة سراب، وعاش الجميع في حقل تجارب الحكومات الثوريّة وما أفرزته من نظم جائرة كالأرانب المذعورة. 

وأدرك المتنوّرون من أبناء شعوبنا المأسورة وهي تئنّ تحت نير الاستبداد وأحكام الطوارئ والأحكام العرفيّة أنّ حريّتها قد سلبت، وأنّ شؤون البلاد قد أهملت، وأنّ تقدّمها أصبح بعيد المنال، في حين يسير العالم للأمام بخطى سريعة، وأنّ آسريها يمثّلون إرادة القوى الدوليّة التي تدور في فلكها.

إلاّ أن جزوة الحريّة ظلّت مشتعلة في ضمائر الأحرار، وخرج من تحت الرماد رجال وهبوا أنفسهم لتحرير أمّتهم من تسلّط حكام الجور والمفسدين، وفضّل آخرون السجن على الحياة في ظلّ دول لا تحكمها المؤسّسات الشوريّة، ولا الشرعيّة المنتخبة انتخابا حرّا، ولم يحنوا رؤوسهم لطاغية.

ووقف الإمام حسن الهضيبي شامخا كالطود خلال حكم الدكتاتور رمزا للصلابة، والثبات، والشجاعة رغم الشيخوخة والمرض، لأنّه آمن بحقّه في الحريّة وحقّ بلاده في الحياة، فجدّد ملحمة عمر المختار أمام سلطة الاحتلال عندما فضّل أن يموت شريفا وسيفه في يده، على أن يموت على فراش الدعة، الممزوج بالذل والعار. 

ورفض سيّد قطب أن يسترحم ظالمه بكلّ إصرار قائلا: إن إصبع السبّابة الذي يشهد لله بالوحدانيّة في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية. 

ومن هذه المدرسة خرّج الغنوشي على حكم الفرد رافضاَ الوصاية على الشعب لأنه ليس طفلا ولا سفيها، بل هو خليفة الله في أرضه، وأكّد على أن الجهاد من أجل الحريّة هو جهاد من أجل الإسلام، وأن من حق كل التجمّعات السياسية أن تتكتل لاستعادة الحريّة المغتصبة الموؤودة في العالم الإسلامي.

ورأى بديع الزمان النورسي أنّ الحريّة لا تتحقق ولا تنمو إلاّ بتطبيق أحكام الشريعة، ومراعاة آدابها، وأنّه في ظل الاستبداد لا يمكن أن يكون هناك حريّة، وأنّ على طلاب الحريّة أن يموتوا، أو يبقوا في السجون محتمين بالله تعالى قائلين: (حسبنا الله ونعم الوكيل).

فإلى متى تشقى شعوبنا المقهورة في حقل تجارب الأنظمة المشوّهة كالأرانب المذعورة؟

 وطوبى للغرباء. 

1/3/2005