محمد رسول الله

نشر بتاريخ: الأحد، 10 كانون1/ديسمبر 2017 الكاتبة الإسلاميّة رقية القضاة

ويجتاح القلوب حنين جارف لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في ذكرى مولده الشريف، وتذوب كمدا تلك القلوب التي تحمل في طيّاتها اسلام وإيمان، وقد راعها وأحزنها ما تراه من حال الأمة التي تنهشها أنياب البغي، وتطعنها حراب الكفر، وتهدم بنيانها فأس الفرعنة والاستعلاء، في حرب دائبة الدوران ضروس التصميم، تنعق في ساحاتها غربان الحقد وتنعب في اطرافها أصوات الطائفية والصليبية والصهيونية، تمدّها قوى الشرّ المعادية لله وللإنسانية وللحقّ بكل صور الدعم ظاهره وباطنه.


وتحنّ القلوب للحبيب وهي تذكر قوله (صلى الله عليه وسلّم) في مجلس تذكير وإشفاق وفي المجلس ابو هريرة رضي الله عنه، وها هو يروي الحديث قائلا: { سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لثوبان: "كيف بك يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه ؟ ". قال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أمن قلة بنا؟ قال: "لا، أنتم يومئذ كثير، ولكن يلقى في قلوبكم الوهن ". قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال ".
وها نحن يا رسول الله نرى قولك الكريم واقعا ملموسا، فالأمة تصارع اعداء كثر، غايتهم واحدة هي القضاء على بيضة الدين، واستئصاله من الوجود، ووسائلهم لا تنفد، فتارة هي فكر عفن مأفون، يشكك في الحق ويهزأ به، وتارة هي لهو وفسق يتيه فيه العقل وتلهث وراءه القلوب الفارغة وقد تلوّن بألف لون ولون، وتنمّق بعبارات الزيف ومسمّيات الباطل، وبحر المجون والفساد يمده بحر المكر والفتنة والنفاق، وحينا هي آلة القتل والحرق تعمل في الأمة عملها، تبيد وتفني وتقتل دون حسيب ولا رادع.
وتستفيق الأمة بعد سبات وقد علا دخان محرقة أصحاب الأخدود في بورما وميانمار وكشمير والهند، وعلا صوت استغاثة مسلمي البوسنة والهرسك، ومن قبلهم مسلمي روسيا الذين هجرتهم قوى البلشفية والشيوعية الحاقدة، وفي آسيا ينبعث لهيب المعارك الطاحنة في حركات التصفية العرقية والدينية، في الفلبين والصين وتركستان وافغانستان، وهناك الجرح النازف الذي ظل يقطر دما طهورا قرنا من الزمان دون ان تقدر الأمة على نزع الخنجر المغروس في جنبها، جرح فلسطين الذي يراد منه تركيع الأمة وإذلالها وتدنيس مقدّساتها، وقد شرّد أهلها وأسر رجالها وذبح ضعفاؤها في أكثر من قرية ومخيّم، ولكنها تستمر في بطولاتها وصمودها لكي ترفع حرج الإثم عن الامة باسرها.
وفي مصر يجري النيل مصبوغا بدماء ابناءه الشهداء اولئك الذين وقفوا بوجه الفساد والبغي، يقاومون الفراعنة الجدد، ويهتفون للحرية والعدالة والكرامة، ولا يعطون الدنيّة أبدا من دينهم أو وطنهم او شريعتهم، ويرفضون التسليم والانهزام والانكسار، والنيل الطهور يرقب الغد المشرق، والامة بأسرها ترنوا إلى مصر الكنانة، وتتطلّع إلى شام العزّة، وآه للشام، ولجرح الشام، حين ظلّت فيها أوجرة الثعالب الطائفية تتجبّر وتعلو وتغلو، وتعتدي وتقتل وتفرّق، وتدوس كل القيم الإنسانية والربّانية، مؤيدة بكل قوة باغية اثيمة، وأهلها صابرون مصابرون، والله مع الصابرين.
وتهلّ الذكرى يا رسول الله، وأمتك تطرق ابواب الفتح، تترقّب وعد النصر ولحظات التمكين، تمتشق حسام العزّة والحريّة، تتغنّى بالقرآن وتحمل فيض النور، تتلمّس درب المجد وتصدح بالتكبير مآذنها، تتلهّف تلك الأرواح المشتاقة للقيا، للاستشهاد، والفتية أتباع رسول الله، يمضون سراعا للجنات،لتحطّ الارواح الجذلى، بحواصل طير خضر، تتعلّق بغصون الجنّات، وقناديلا تغدو تلمع بالنّور تضيء الجنّات، والأمة ماعادت ترضى أن تبقى قصعة، ترتاد لصوص الأرض حماها، ماعادت تهن ولا تحزن، وانتسبت حقا رايتها لرسول الله، وبرغم القتل وبغي الفرعنة المبثوث بكل مكان، قالت امتنا كلمتها لا للفرعون، ولا لابي جهل ومسيلمة الكذّاب، لا لابن سلول، ما عادت امتنا بالنّصر تشكّك او ترتاب، والباطل مهزوم مخذول، والحق سيعلو منتصرا، وليخسأ من ينعق بهتا، أن الإسلام هو الإرهاب.
وتعود الذكرى يا سيد الخلق، وقد اشتاقت لك الأرواح، وتعاهدت على نصرة سنتك القلوب، واستيقنت الأمة ان العزّة لا تكون إلّا بالإسلام، وأن النصر مع الصبر، وانطلقت تعلنها للدنيا، أنّك قدوتنا وحبيبنا وقائدنا ومرشدنا وأننا وعينا درس القرون الماضية، وانتبهنا بعد غفلة، فعسى أن نحقق قولك فينا {الخير فيّ وفي امتي إلى يوم القيامة} وعسى أن نكون من الذين معك الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيما }.

الزيارات: 185