العلاج بعسل النحل

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 09 كانون2/يناير 2018 بقلم: محمد علي شاهين



يعتبر عسل النحل أحد أشهر المنتجات الستّة المعروفة بخاصيّتها العلاجيّة عبر القرون وهي : العسل ، الغذاء الملكي ، حبوب اللقاح ، شمع النحل ، العكبر (بروبلس) ، سم النحل، وتدخل منتجات العسل في الطب التكميلي.
ويمتاز العسل بتركيبته الفريدة التي تحميه من الفساد، وعثر خلال الحفريات في المقابر الفرعونيّة القديمة بمصر على عدد من الأواني لا تزال محافظة على خواصّها، مما يجعلها بيئة محظورة للبكتيريا والكائنات الحية الدقيقة.
وذكرت ألواح الطين السومريّة من بلاد الرافدين أنّ العسل كان يدخل في تركيب 30% من الوصفات الطبيّة، وأن المصريين القدماء استخدموه لعلاج مشاكل الجلد والعين كما فعل الإغريق والرومان.
قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ
فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(69)) سورة النحل.


وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستشفاء بالعسل (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) رواه ابن ماجه.
واقتداء بسنّة النبي المصطفى، بلغ من عناية الأطباء المسلمين بالعسل أنّ ابن البيطار في كتابه (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) ذكر العسل 711 مرّة، وأدخله في تركيب معاجين الأدوية لعلاج البرص، والربو، واللثّة المتقرّحة، وداء الثعلبة، وقطع سيلان الرطوبة إلى العين، وزيادة المني، وتسين الأعضاء الباردة، ومنع القروح الخبيثة من الانتشار،  ونفع في القرحة العارضة في الرئة، ويلحم القروح العتيقة، ويحلّل الأورام البلغميّة، وعلاج تشقق الأظفار وتقشيرها، وإخراج الصدور التي تكون في الصدر، وتسكين السعال المزمن، وضعف البصر، وعضّة الكلب الكلب، والقروح العارضة في المقعدة، ويجلو رطوبة المعدة، وتنقية القروح الوسخة، ويجلو الدم العارض تحت العين، وإزالة النمش والبهق، ونفع من غشاوة البصر، ويسكّن ورم الثدي، وعلاج الجرب، ويحلّل ورم الطحال، ويسكّن ورم اللسان، وتحليل ورم اللهاة، وينفع للاستسقاء، ومداواة اليرقان، ويقتل الدود وحيّات البطن، وينفع من مضرّة الفطر القتّال، وتخفيف ألم نبات أسنان الصبيان، ويضمر الداحس ويمنع الورم الخبيث الذي يقال له عنعرانا (غنغرينا) من أن يسعى في البدن،
وقال جالينوس عن العسل في كتابه (حيلة البرء) الذي وصف فيه "كيف يداوي كل واحد من الأمراض بطريق القياس، واقتصر فيه على الأعراض العامية التي ينبغي أن يقصد قصدها في ذلك، واستخرج منها ما ينبغي أن يداوي به كل مرض من الأمراض، وضرب لذلك مثالات يسيرة من أشياء جزئية".(1)
"وأفضله الأحمر اللون الناصع الطيب الرائحة الصافي الذي ينفذ فيه البصر لصفائه ومذاقته حريفة حادة لذيذة في غاية اللذاذة إذا أنت رفعت منه شيئاً بأصبعك سال إلى الأرض ولم ينقطع فإن انقطع فإنه أرق أو أغلظ مما ينبغي في الجملة وذلك أنه غير متشابه الأجزاء"
وقال البصري: "وأجود العسل ما حلا جداً وكان أحمر فيه حدة يسيرة وطيب رائحة ولم يكن سيالاً ولا متيناً." (2)
ويقول ابن القيّم الجوزيّة في (الطب النبوي) في معرض حديثه عن العسل: "العسل فيه منافعُ عظيمة، فإنه جلاءٌ للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها، محلّلٌ للرطوبات أكلاً وطلاءً، نافعٌ للمشايخ وأصحاب البلغم، ومَن كان مزاجه بارداً رطباً، وهو مغّذٍّ ملين للطبيعة، حافظ لقُوَى المعاجين ولما استُودع فيه، مُذْهبٌ لكيفيات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصدر، مُدرٍّ للبول، موافقٌ للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شُربَ حاراً بدُهن الورد، نفع من نهش الهوام، وشرب الأفيون، وإن شُربَ وحده ممزوجاً بماء نفع من عضة الكَلْب الكَلب، وأكل الفُطُر القتَّال، وإذا جُعلَ فيه اللَّحمُ الطرىُّ، حَفظَ طراوته ثلاثَةَ أشهر، وكذلك إن جُعل فيه القثَّاء، والخيارُ، والقرعُ، والباذنجان، ويحفظ كثيراً من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويُسمى الحافظَ الأمين.
وإذ لطخ به البدن المقمل والشَّعر، قتل قَملَه وصئْبانَه، وطوَّل الشَّعرَ، وحسَّنه، ونعَّمه، وإن اكتُحل به، جلا ظُلمة البصر، وإن استُنَّ به بيَّضَ الأسنان وصقَلها، وحَفظَ صحتَها، وصحة اللّثة، ويفتح أفواهَ العُروق، ويُدرُّ الطَّمْثَ، ولعقُه على الريق يُذهب البلغم، ويَغسلَ خَمْلَ المعدة، ويدفعُ الفضلات عنها، ويسخنها تسخيناً معتدلاً، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكُلَى والمثانة، وهو أقلُّ ضرراً لسُدَد الكبد والطحال من كل حلو.
وهو مع هذا كله مأمونُ الغائلة، قليلُ المضار، مُضرٌ بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخلّ ونحوه، فيعودُ حينئذ نافعاً له جداً.
وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومُفرّح مع المفرّحات، فما خُلقَ لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريباً منه، ولم يكن معوّلُ القدماء إلا عليه، وأكثرُ كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر ألبتة، ولا يعرفونه، فإنه حديثُ العهد حدث قريباً، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الرّيق، وفي ذلك سرٌ بديع في حفظ الصحة لا يُدركه إلا الفطن الفاضل.(3)
يتكون العسل من أكثر من سبعين مادة مختلفة ذات أهمية عظيمة ومن أبرزها: السكريات التي تحتوي على 40%سكر فواكه و30%سكر عنب و4%سكر قصب(السكروز) ويتكون قوامه كذلك من البروتين والأملاح المعدنية كالحديد والنحاس والمغنيزيوم والكالسيوم والصوديوم والكبريت والبوتاسيوم والفسفور ، ويحتوي على الأحماض الأمينية التي يحتاج إليها الجسم ، ويعتمد تركيب العسل بشكل رئيسي على نوع النبات الذي أخذ منه الرحيق وغبار الطلع وعلى الأحوال الجوية والتربة .
الفيتامينات التي يحتويها العسل: فيتامين د : مضاد الكساح ، فيتامين ك :المضاد للنزيف،فيتامين ج المساعد في علاج فقر الدم،فيتامين ب1 :الذي يؤدي نقصه إلى مرض التهاب الأعصاب وحدوث التورمات وهبوط القلب ،فيتامين ب2الذي يؤدي نقصه إلى التهاب أطراف الفم وتقرحات اللسان واللثة ،فيتامين ب3 المضاد للالتهابات والمكافح للشيب المبكر، فيتامين ب6 والمتعلق بالتمثيل الغذائي ،وسعرات حرارية كبيرة حيث كل 100 غرام عسل تعطي 294 كيلو من السعرات الحرارية.(4)
وتحدثت مقالة منشورة في مجلة Nature network عن فوائد العسل العشرة من خلال الدراسات فقالت: شملت دراسة نشرت في طب الأطفال أجريت على 270 طفلا تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة وخمسة حول السعال الليلي بسبب نزلات البرد، أنّ الأطفال الذين تلقوا ملعقتين من العسل قبل 30 دقيقة من النوم، أقل كثيرا وحدّة، وكانوا أقل عرضة للإنقاص النوم بسبب السعال.
وتم تعيين 102 امرأة أصحاء من سن اليأس لاستهلاك 20 غراما من العسل يوميا، واتخاذ العلاج بالهرمونات البديلة التي تحتوي على هرمون الاستروجين والبروجسترون، وبعد أربعة أشهر تقدمن لاختبار الذاكرة فكانت النتيجة متساوية.
وفي دراسة تم علاج 59 مريضا يعانون من الجروح وقروح الساق - 80 % منهم فشلوا في الشفاء مع العلاج التقليدي - وأظهرت جميع الحالات باستثناء واحدة من الحالات تحسنا ملحوظا بعد تطبيق موضعي من العسل.
ووفقا "للمجلس الوطني للعسل": العسل يحتوي على "كميات صغيرة من مجموعة واسعة من الفيتامينات والمعادن، بما في ذلك النياسين، والريبوفلافين، وحمض البانتوثنيك، والكالسيوم، والنحاس، والحديد، والمغنيسيوم، والمنغنيز، والفوسفور، والبوتاسيوم، والزنك".  
ويلاحظ مايو كلينيك أن العسل قد يكون وسيلة واعدة وغير مكلفة لمنع انخفاض عدد خلايا الدم البيضاء الناجمة عن العلاج الكيميائي، وفي تجربة واحدة تبيّن أنّ 40 % من مرضى السرطان الذين كانوا عرضة لانخفاض مقدرة جهازهم المناعي، ارتفعت بعد تناول ملعقتين يوميا من العسل العلاجي خلال العلاج الكيميائي.
لم تثبت فعالية العسل لعلاج الحساسية في الدراسات السريرية، ومع ذلك يقول بعض الخبراء أن العسل يمكن أن تحتوي على آثار لزهرة حبوب اللقاح، والتعرض لكميات صغيرة من المواد المسببة للحساسية يعمل معاملة جيدة لمكافحة ردود الفعل.
وفي بعض الدراسات السريرية، تبين أنّ العسل فعال لقتل مسببات الأمراض التي تنقلها الأغذية مثل كولاي والسالمونيلا ، وكذلك مقاومة للميثيسيلين المكورات العنقودية الذهبية و الزائفة الزنجارية .
 وكشف مركز لانغون الطبي بنيويورك  أن العسل الذي يؤخذ عن طريق الفم زاد من قدرة الجسم على استقلاب الكحول، وبالتالي حد من التسمم وقلّل مستويات الكحول من الدم بسرعة أكبر.
يعتبر العسل مصدرا ممتازا للطاقة الطبيعية التي تتفوق على المصادر التقليدية الأخرى لأنه يأتي مع العناصر الغذائية المضافة ويوصي المجلس الوطني العسل إضافة العسل إلى زجاجة من الماء الخاص بالرياضيين لتعزيز الطاقة خلال التدريبات.
وفي دراسة شملت المرضى الذين يعانون من التهاب الجلد الدهني المزمن وقشرة الرأس ، طلب من المشاركين لتطبيق العسل المخفف مع 10 في المئة من الماء الدافئ إلى مناطق المشاكل الخاصة بهم وتركها لمدة ثلاث ساعات قبل الشطف بالماء الدافئ، تم شفاء الآفات الجلدية تماما في غضون أسبوعين، وأظهر المرضى تحسنا شخصيا في فقدان الشعر أيضا. (5)


المراجع:
1 ـ عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة.
2 ـ الجامع لمفردات الأدوية والأغذية ص 458 لابن البيطار.
3 ـ الطب النبوي ص 18 ابن قيم الجوزيّة.
4 ـ موقع سنابل الخير النحل ومنتجاته الستة.
5 ـ مجلة Nature network مارس 2014 الفوائد الصحيّة العشرة للعسل.

الزيارات: 45