محمد مهدي بن عثمان عاكف

نشر بتاريخ: الأربعاء، 04 تشرين1/أكتوير 2017 بقلم: محمد علي شاهين

وضع قضيّة الحريّة التي حرم منها في المعتقلات في مقدمة أولويّاته بعد انتخابه مرشداً
(1347/1928 ـ 1439/2017)
 
المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين السابع (2004 ـ 2010)، انتخبه مكتب الإرشاد العام للجماعة في 14/1/2004 خلفاً للمستشار محمد مأمون الهضيبي، عضو سابق في مكتب الإرشاد العام للجماعة (1987 ـ 2004)، عضو مجلس الشعب المصري.
ولد في كفر عوض السنيطة، مركز أجا دقهليّة، نشأ في أسرة ميسورة الحال، درس المرحلة الابتدائيّة في المنصورة، ثم التوجيهيّة من مدرسة فؤاد الأوّل الثانويّة بالقاهرة، ثم التحق بالمعهد العالي للتربية الرياضيّة وتخرّج فيه سنة 1369/1950 وعمل مدرّساً، ثم التحق بكليّة الحقوق سنة 1370/1951.


اتصل بالإمام الشهيد حسن البنا في عام 1941، وأعتنق أفكاره الإصلاحيّة، شارك في معارك الجماعة السياسيّة والوطنيّة والجهاديّة، وانتظم في كتائب الإخوان جنديّاً ومدرّباً وترأس معسكرات جامعة عين شمس في الحرب ضد الانجليز، وتولّى رعاية الشباب وتربيتهم على مبادئ الإسلام والتضحية في سبيلها، حتى قامت الثورة فسلّم معسكرات الجامعة لكمال الدين حسين المسؤول عن الحرس الوطني آنذاك.           
وترأس قسم الطلبة، وقسم التربية الرياضيّة بالمركز العام لجماعة الإخوان المسلمين.
تعرّض للسجن والاضطهاد مع إخوانه، فاعتقل في معسكر الطور بعد مقتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي عام 1948، ثم أعتقل بعد حادثة المنشيّة الملفّقة عام 1954 وحكم عليه بالإعدام في محكمة جمال سالم والسادات، ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقّة المؤبّدة، وقضى في سجن عبد الناصر عشرين عاماً، بتهمة انتمائه للتنظيم، ودوره في تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف من الاعتقال إلى لبنان عن طريق البحر، ولم يفرج عنه حتى عهد الرئيس السادات، حيث تولّى منصب المدير العام للشباب بوزارة التعمير سنة 1974.
وعمل مستشاراً للندوة العالميّة للشباب الإسلامي في الرياض، ومسؤولاً عن مخيّماتها الدوليّة ومؤتمراتها، واشترك في تنظيم أكبر المخيّمات للشباب المسلم في عدد من الدول الأسيويّة والأفريقيّة والأوروبيّة، وغادر مصر إلى ألمانيا للعلاج، وعمل مديراً للمركز الإسلامي بميونخ في ألمانيا.
انتخبه مواطنوه في القاهرة ممثّلاً عنهم في مجلس الشعب المصري سنة 1407/1987 عن دائرة شرق القاهرة، وذلك ضمن قائمة التحالف الاسلامي التي خاض الاخوان الانتخابات تحت مظلتها.
وقام بجولة دعويّة زار خلالها الإخوان في البلاد الأوروبيّة، فلمّا عاد إلى مصر أعيد اعتقاله بين عامي (1996 ـ 1999) فيما يعرف بقضية سلسبيل والتي ضمت وقتها عدد كبير من قيادات الإخوان المسلمين، واتهمه الادعاء بانه المسؤول عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وحُكم عليه بثلاث سنوات.
وفي رده على سؤال حول المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية قال المرشد العام للإخوان: إن تطبيق الشريعة هو أصل من أصول حركتنا، وركن ركين من دعوتنا، فهي دعوة لتطبيق الإسلام في حياتنا كأفراد وكمجتمع وكدولة، وهذا التطبيق يحتاج إلى تهيئة وتدرج وتوعية، فالشريعة الإسلامية "منهج حياة" ندعو إليه ونبذل ما في وسعنا لتحقيقه، ولن نحيد عنه أبدا، وأوضح أن موقف الإخوان من مبادرة السلام العربية معروف ولا نرى أي حق للصهاينة في فلسطين الإسلامية.
رأى أن الانتفاضة أحيت القضيّة الفلسطينيّة التي كادت أن تموت، وأن فلسطين قضيّة الإخوان المركزيّة، ورفض الاحتلال الأمريكي للعراق، ودعا قوى الاحتلال لمغادرة العراق بأسرع وقت، وتركه ليحدد مصيره بنفسه، وسجّل اعتراضه على المشاركة في مجلس الحكم، وشكك بدعوى واشنطن نشر الديمقراطيّة في العالم العربي، واستنكر قانون منع الحجاب في فرنسا الذي اقترحه الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) عام 2003، وقال إن أي حوار في مصر بدون الإخوان المسلمين هو حوار محكوم عليه بالفشل لأنّه سيولد ميّتاً.
وسئل عن عهد عبد الناصر فقال: عبد الناصر خان العهد الذي قطعه مع الإخوان قبل الثورة، فما أن قامت الثورة ونجحت بفضل الله أوّلاً، ثم بفضل جهود الإخوان، مارس الديكتاتوريّة ضدّهم واعتقلهم وعذّبهم وحكم بالإعدام على بعضهم.
وضع قضيّة الحريّة التي حرم منها في المعتقلات مع إخوانه نحو عشرين سنة في مقدمة أولويّاته بعد انتخابه مرشداً، وطالب بإلغاء قانون الطوارئ، وكل القوانين التي تحدّ من حريّة المواطن، وقال: لسنا أحراراً، الحريّة غائبة في بلادنا.
وقال: نحن لا نسعى للسلطة، وليس لنا فيها مطمع، نريد فقط أن يحكمونا بالإسلام، نحن مشغولون بما هو أهم من ذلك وهو الدعوة لنشر الإسلام وتصحيح صورته في العالم كلّه.
وطرح باسم الإخوان في نقابة الصحفيين المصريين مشروعاً طموحاً للإصلاح السياسي في مصر، عندما قدّمت (مصر وسوريّة والسعوديّة) مشروعاً لإصلاح الجامعة العربيّة في مؤتمر وزراء الخارجيّة العرب تمهيداً لمؤتمر القمة العربي سنة 1426/2004.
 
رأى أنّ النظام الخاص الذي انضمّ إليه قام بدور رائد في هذه المنطقة (المقاومة السريّة على ضفاف القناة)، وأنّ دور النظام الخاص انتهى تماما في آخر عام 1952.
وحول اقتراح تشكيل حزب سياسي، رأى أن تواصل الجماعة رسالتها في تربية النشء، وتربية الأفراد، وتربية المجتمع، إلى جانب حزب سياسي يحمل رؤية الإخوان السياسية.
رفض تقسيم العراق قائلاً: إن الدعوةَ التي أطلقتها الولايات المتحدة لبناء نظامٍ فيدرالي على أساسٍ طائفي، تعد الخطوةَ الرئيسيةَ نحو تقسيم البلاد، كما تكشف عن الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية في المنطقة، فهي من ناحيةٍ تُشير صراحةً إلى التمييز بين السكان على أساسٍ طائفي، ومن ناحيةٍ أخرى تعتبر الطائفة كيانًا سياسيًّا يتمتع بسلطات وصلاحيات تتجاوز الحكومة المركزية، وحذّر من سياسة التدخل العسكري والهيمنة السياسية والاقتصادية، على اعتبار أنّها الحاضنة للإرهاب والمولدة للكراهية،  فقال في إحدى رسائله: إن الوصول إلى الاستقلال الحقيقي لن يكون إلا من خلال الإرادة الحرة للشعوب في التعبير عن نفسها لكي تتحرر من ربقة الاستعمار الجديد، هذه الإرادة الصلبة يجب أن تبتدع طرق التعبير المناسبة، وكذلك السياسات الملائمة للتعامل مع التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وهذا الشرط ضروري لتحقيق النهضة الحضارية واستعادة زمام المبادرة والريادة، وهذا ما يتطلب بذل الجهد لتشييد نظم حكم مستقلة، قائمة على العدالة وحادبة على الحرية، فمثل هذه النظم تستطيع حماية استقلال أوطاننا والحفاظ على هويتنا وحضارتنا، وقال في رسالة أخرى موجّهة للإخوان: فإن كانت الأمة قد فقدت أولى قبلتَيْها، ومسرى نبيِّها، وتقطعت أوصالها، وامتدت يدُ الأكلة إلى قصعتها، تارةً في العراق، وثانيةً في أفغانستان، وثالثةً في السودان والصومال والشيشان، وغيرها من بلاد المسلمين وشعوبها، قد استولت عليها نظُمٌ مستبدةٌ، وثقافاتٌ مستورَدةٌ، وأخلاقياتٌ واردةٌ، وقيمٌ دخيلةٌ، كلُّ هذا يضاعف التبعة، ويضع المسلم أمام مسئولياته الجسام؛ سعياً لبناء ذاتٍ متسلِّحة بالإيمان ومتترِّسة بالعلم، ومتحصِّنة بقيم الحرية الإنسانية؛ لاسترداد الحق المسلوب، والتراث المغصوب، والحرية الضائعة والأمجاد الرفيعة، والمُثُل العالية.
وقال: لتعلموا أيها الإخوان أن أعظم ما يواجهكم من تحدياتٍ هو محاولةُ إيهان عزائمكم، والتشكيك في صحة نهجكم، ونُبل رسالتكم؛ ليدفع بكم خصومُكم صوبَ اليأس المُقْعِد، أو الشك المفرِّق، أو الاندفاع المتهوِّر، فلا يغرنَّكم ما ترون من شيوع الفساد والاستبداد؛ فالأيام دول، وما يُقهَر الفاسدُ ولا المستبدُّ بالاستكانة أو الدَّعة والتسليم، وإنما بالإيمان بقدرة الله على التغيير بالمخلصين لأوطانهم، ومن قبلها رسالاتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية (11).
رفض التجديد له فجرت انتخابات داخليّة فاز فيها المرشد الثامن أ. د. محمد بديع سامي في مطلع عام 2010.
اعتقل في ظروف سيّئة، على ذمة القضية المعروفة إعلاميا "بأحداث مكتب الإرشاد" بعد الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي 2013، واتهم بالتحريض على العنف وإثارة الفوضى، وإهانة المحكمة، ولم يفرج عنه رغم إلغاء محكمة النقض الحكم بسجنه خمسة وعشرين عاماً، ولم تعاد محاكمته رغم كبر سنّه، وحرم من العلاج بعد تدهور حالته الصحيّة في السجن، ونقل من المعتقل إلى مستشفي قصر العيني بعد تدخّل أسرته وقد أشرف على الموت.
وفي مساء الجمعة 22/9/2017 الموافق 2 محرّم 1439 انتقل إلى الرفيق الأعلى فضيلة المرشد العام السابق ل"جماعة الإخوان المسلمين" محمد مهدي عاكف، بعد عمر مديد قضاه مجاهداً ضدّ الاحتلال البريطاني على ضفاف القناة، ومناضلاً ضد الأنظمة العلمانيّة المستبدّة، وقالت وزارة الداخلية: إن الوفاة وقعت إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، دون تفاصيل، وقال عبد المنعم عبد المقصود، رئيس هيئة الدفاع عن عاكف: سيطرت قوات الأمن على الجثمان الطاهر، ولم تسمح لأحد حتى زوجته وابنته بالاقتراب منه وحمله أو مصاحبته حتى المقابر، وأضاف "ذهبت لفتح المقبرة (بمقابر الوفاء والأمل شرقي القاهرة) بالتنسيق مع ابنة الأستاذ عاكف، وكان قد أوصى أن يدفن بجوار الأستاذ المرشد عمر التلمساني ومصطفي مشهور، والحمد لله نفذت وصيته".
وأضاف: "فوجئت بأن المقبرة محاصرة وعبارة عن ثكنة أمنية، حتى إن قيادات الأمن الموجودة اصطحبتني حتى داخل المقبرة مع التنبيه عليّ بعدم التصوير".
ولم تسمح الجهات الأمنيّة لأسرته من تنظيم جنازة شعبيّة تليق به، وأجبرتهم على دفنه ليلاً، مما أعاد إلى الأذهان جنازة الإمام الشهيد حسن البنّا، وقال محامي عاكف "أُشهد الله أن المقبرة كانت مضاءة وكأن مصدر النور من السماء، وقلت لرجال الأمن ذلك فسكتوا".
ودعت "جماعة الإخوان المسلمين" في بيانها، تلامذة ومحبي "عاكف" حول العالم لإقامة صلاة الغائب عليه، "وذلك بعد منع السلطات صلاة الجنازة عليه في مصر".
________________________________________________________________

(1) صحيفة السبيل س 11 ع 525 تاريخ 26/1/2004 حاوره مراسل السبيل في القاهرة: همام عبد المعبود. (2) فضائيّة الجزيرة، برنامج تحت المجهر، تاريخ 11/12/2006، تقديم حسين عبد الغني، الإخوان في مصر. (3) إسلام أون لاين، رسالة المرشد محمد مهدي عاكف إلى الإخوان: تحديات متجددة تواجه الأمة الإسلامية (4) الشبكة الدعويّة، رسالة المرشد محمد مهدي عاكف، وقفات مع الإخوان. (5) وكالة الأخبار الإسلامية (نبأ) 15/7/2007، حاوره صلاح الإمام. (6) وكالة الأناضول ـ قناة الجزيرة  23/9/2017 شهادة تكشف أحداث وفاة ودفن مهدي عاكف.
أعلام الصحوة الإسلاميّة المجلد الثاني ص 447.................................تأليف: محمد علي شاهين


الزيارات: 101