خليل اينالجيك

نشر بتاريخ: الثلاثاء، 02 آب/أغسطس 2016 بقلم: محمد علي شاهين

شيخ المؤرخين الأتراك بلا منازع

(1334/1916 1437/2016)

شيخ المؤرّخين الأتراك بلا منازع، صاحب الموسوعات التاريخيّة المتخصّصة بالتاريخ والحضارة الإسلاميّة في الدولة العثمانيّة، باحث نقّاب في خزائن المخطوطات العثمانيّة.

ولد البروفيسور خليل إينالجيك في مدينة إسطنبول في 26/5/1916، تنحدر عائلته من تتار القرم.

تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة "أنقرة غازي"، وتعليمه الثانوي في مدرسة "نجاتي بي" بمدينة باليكسير التي كانت حينها واحدة من أفضل المدارس عالميا، وفي 1940 أنهى تعليمه الجامعي في كلية التاريخ واللغات بجامعة أنقرة. 

حصل على درجة الدكتوراه من خلال رسالته الشهيرة "التنظيمات (فترة إصلاح) والقضية البلغارية" التي تعد من أبرز الأعمال في مجال التاريخ الاجتماعي الاقتصادي في تركيا.

توالت بعد ذلك الدرجات العلمية التي نالها خلال مسيرته العلمية، ففي عام 1942 حصل على درجة مدرس مساعد، ودرجة أستاذ مساعد في 1943، من خلال رسالته " الأمبراطورية العثمانية و خانية (إمارة) القرم من فيينا إلى التراجع الكبير".

 

ويُصنف إينالجيك، بين ألفي عالم بارز في مجال العلوم الاجتماعية، على صعيد العالم.

ودأبت مراكز التاريخ والأدب في العالم على الاستفادة من خبرات وعلوم إينالجيك، ففي عام 1972 بدأ العمل في جامعة شيكاغو الأمريكية في وظيفة "أستاذ متميز"، واستمر بها 15 عاما، كما عمل في جامعات دولية أخرى مثل هارفرد وبرنستون، وفي عام 1992 انتقل إلى جامعة بيلكنت التركية، وأسس بها معهد التاريخ للدراسات العليا.

وهو من المؤلّفين القلائل الذين قدّموا دراسة حيّة وشاملة عن تاريخ الدولة العثمانيّة وتشكلها وبنيتها وخصائصها، وعن أحوالها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مستقاة من كنوز الأرشيف العثماني الضخم المحفوظ في مكتبات الآستانة وخزائن المخطوطات التي حجبها عن الباحثين الأتراك المسلمين مؤامرة إقصاء الحرف العربي.

رأى بأنه مع نهاية القرن السادس عشر لم يعد يغدو التاريخ العثماني سوى سرد لوقائع وأشكال من الحكم والعلوم الدينية التقليدية التي عفا عليها الزمن.

لكن سرعان ما أعاد إينالجيك النظر بهذه الرؤية من خلال إشرافه وإصداره لعدد من المجلدات، التي عمل من خلالها على إعادة تقميش جديدة للوثائق المسكوت عنها في سجلات المحاكم الشرعية، المتعلقة بالمعطيات الاجتماعية والعمرانية لتاريخ الولايات العثمانية في القرون اللاحقة للقرن السادس عشر. 

تشبّع بأفكاره واقتفى طريقة تقسيماته للحقب العثمانيّة مؤرّخون نجباء كانوا من أفضل تلاميذ مدرسته أمثال المؤرّخ التركي إيلبير أورتايلي، صاحب كتاب (إعادة استكشاف العثمانيين).

وتحظى مؤلفات إينالجيك حول التاريخ التركي ولاسيما المتعلقة بالعهد العثماني، باهتمام كبير من قبل الباحثين، من مختلف أرجاء العالم، و يعد كتابه (الامبراطورية العثمانية : العصر الكلاسيكي 1300- 1600) الذي طُبع في بريطانيا عام 1973 ولقي اهتماما غير مسبوق على مستوى العالم، وترجم إلى لغات عديدة، وصار مرجعا أساسيا في الكثير من المراكز البحثية والجامعات من أبرز ما يثبت نبوغه العلمي، وله كتاب: (تاريخ الدولة العثمانيّة من النشوء إلى الانحدار) الذي يعد من أهم المراجع عن الدولة العثمانيّة.

وله (موسوعة “الحضارة العثمانية) 10 مجلدات، و(موسوعة العُثمانيون) في 12 مجلدًا – بالتعاون مع أكمل الدين إحسان أوغلو، و(التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية) في مجلدين كبيرين – بالاشتراك مع مجموعة مؤرخين -، و(الشرق الأوسط والبلقان تحت الحُكم العثماني)، وغيرها.

نال إينالجيك عشرات الجوائز خلال مسيرته العلمية، من أبرزها الدكتوراه الفخرية من جامعة بوغاز إيجي التركية عام 1986، وميدالية التميز، من وزارة الخارجية التركية عام 1991، كذلك جائزة معهد الدراسات التركية بجامعة اسطنبول التي تسلمها من رئيس الجمهورية حينها سليمان دميرل عام 1998، فضلا عن جائزة المركز الأول بمعرض الكتاب العالمي نظير دراسة حول الحضارة العثمانية قام بها بعد دعوة من وزارة الثقافة التركية.

وفي عام 2001 نال الدكتوراه الفخرية من جامعة صوفيا البلغارية، فضلا عن وسام الاستحقاق من رئيس بلغاريا فرنك مدل عام 2002، ونال الجائزة الكبرى في مجال الثقافة والفن، المقدمة من رئاسة الجمهورية التركية، عام 2005. كما حصل على جائزة الشرف من البرلمان، عام 2008.

كان واسع الاطّلاع على كتب التراث العثماني المكتوب بالعربيّة، حيث كان يجيد التركية العثمانية إجادة تامة فضلاً عن إجادته اللغات الإنجليزية و الفرنسية و الألمانية بمستوى جيد و إلمامه باللغات العربية و الفارسية و الإيطالية بدرجة متوسطة.

وهو صاحب رؤية نقديّة جديدة للتاريخ العثماني مغايرة لوجهة نظر المؤرّخين، حيث "يشترك إينالجيك مع البعض في رفض قصة تنازل الخليفة المتوكل عن الخلافة إلى السلطان سليم، ويرى أن سليم كان يفضل أكثر لقب سلطان غازي، واللقب الجديد "خادم الحرمين الشريفين"، وأنه لم يفكر في لقب الخلافة الذي لم يَعْنِ لديه الكثير.

ويأتي الجديد في أطروحة إينالجيك من خلال رؤيته أن السلطان سليمان القانوني هو الذي مال إلى ادعاء "الخلافة" وحمل لقب "خليفة المسلمين"، دفعه إلى ذلك رغبته في إعلاء شأنه على بقية حكام العالم الإسلامي، وإبراز دور الدولة العثمانية التي وصلت في عصره لتصبح القوى العظمى على المستوى العالمي، ولكن إينالجيك يرى أن مفهوم الخلافة آنذاك كان غير مفهوم الخلافة الكلاسيكي الذي عرفه العالم الإسلامي سابقًا: "أغنى هؤلاء - العثمانيون- مؤسسة الخلافة بمعنى جديد بعد أن أقاموها على مفهوم الغزو/ الجهاد وليس على أساس التعاليم التقليدية".

ويتفق إينالجيك مع غيره من المؤرخين الذين رأوا أن العثمانيين لم يذهبوا إلى إحياء المفهوم التقليدي للخلافة الإسلامية إلا في القرن الثامن عشر ولأسبابٍ ومتغيرات سياسية عديدة".

توفي شيخ المؤرخين الأتراك، الأستاذ خليل إينالجيك، مساء يوم الاثنين 20 شوّال 1437 الموافق 25/7/2017، عن عمر ناهز 100 عام، في أحد مستشفيات العاصمة التركية أنقرة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، اكسبته شهرة عالمية في الأوساط الأكاديمية، في مجال العلوم الاجتماعية، على مستوى العالم.

وعقب انتشار خبر وفاته، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في رسالة، "فقد العالم رجلا كرس حياته للعلم وتقصي الحقائق وتأريخ الحوادث التركية والعالمية، وترك لنا ميراثا لا مثيل له من الأعمال الفريدة الموضوعية.

وأضاف أردوغان في رسالته "سنبقى دائما نذكر إينالجيك نحن وطلابه في كل العالم بكل خير"، وتمنى للفقيد الرحمة، ولأسرته الصبر والسلوان.

من جانبه، نشر بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي رسالة عزاء عن الفقيد قال فيها " فقدت تركيا قامة كبيرة، سنتذكر إينالجيك عالما تميز بدقته العلمية وموضوعيته، وحاز تقدير جميع الباحثين والمؤرخين في العالم". 

 

___________________________________

 (1) وكالة الأناضول 26/7/2016 أينالجيك شيخ المؤرخين الأتراك بلا منازع، زهرة أيدن. (2) مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون التركي TRT وفاة المؤرخ التركي الشهير عالمياً البروفيسور خليل إينالجيك عن عمر ناهز قرناً واحداً. (3) الجزيرة نت إعادة استكشاف العثمانيين عرض: محمد تركي الربيعو. (4) مجلّة التفاهم العدد 33 لعام 2011 مقال: حدود الدين وحدود الدولة قراءة في حدود تطوّر مفهوم الدارين بين الخلافة والسلطنة العثمانيّة د. محمد عفيفي. (5) ساسة بوست 21/2/2015 من أين أبدأ في قراءة التاريخ العثماني، كريم عبد المجيد. (6) القدس العربي 30/4/2016 المؤرخ التركي إيلبير أورتايلي: الدولة العثمانية كانت آخر الإمبراطوريات الرومية، محمد تركي الربيعو.

أعلام الصحوة الإسلاميّة المجلّد الأوّل...................................بقلم محمد علي شاهين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الزيارات: 633