محمد ناصر بن عبد الحسيب الأحدب

نشر بتاريخ: الجمعة، 02 أيلول/سبتمبر 2016 بقلم: محمد علي شاهين

(1368/1949 ـ 1437/2016)

العالم العامل المجاهد، الداعية الفاضل، المقرئ ناصر الأحدب "أبو حازم" عضو الروابط الإسلاميّة.

ينتمي الشيخ محمد ناصر الأحدب إلى أسرة كريمة يعود نسبها إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما، سكنت مدينة طرابلس الشام ومدينة حماه، ظهر فيها عدد من رجال الدين والوطنيّة، أمثال الشيخ المؤرّخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي، والشيخ المحقّق عبد الحميد الأحدب، شقيق الشيخ ناصر، وقدّمت الأسرة العديد من الشهداء في مجزرة حماه في مطلع الثمانينات.

 

ولد في مدينة حماه، وتربّى على قيم الإسلام وآدابه، وتتلمذ على علمائها، والتحق بالمدارس الحكوميّة، وبها نال الثانويّة العامّة، ثم تخرّج في الجامعة، واشتغل في تدريس الجغرافيا موضوع تخصّصه، لكن شهرته كداعية غلبت عليه. 

درس علوم القرآن والحديث والسيرة النبويّة على علماء مدينته في المساجد، وتلقى علم القراءات في جامع الدلوك بمدينة حماه، على شيخ القراء في حماه سعيد العبد الله المحمد، وارث علم الشيخ عبد العزيز عيون السود، ونال إجازته.

هاجر الشيخ هجرته الأولى إلى السعوديّة بعد أحداث حماه، واشتغل بالتدريس في المعهد العلمي بمدينة أبها، وأقام في العاصمة الأردنيّة محبوباً مكرّماً حتى وفاته، يحنّ إلى مرابع الصبا والأهل وأصدقاء الطفولة، ومسارح الجمال، ومحاريب المساجد الأيوبيّة القديمة، والمآذن الباسقات، والقباب الشامخات، وأنين النواعير وأصداء مجزرة 1982 التي راح ضحيتها 37 ألف قتيل لا تغادر خياله. 

وعرف عنه جمعه بين الصوت الندي وضبط أحكام التجويد، ومعرفة الأحكام الشرعيّة، والخشوع الذي لم يفارقه، وكان يؤم المصلين في جامع الدكتور زكي أبو عيد بعمّان، ويعظ الناس في المساجد، ولا يضنّ على تلاميذه بنصائحه وإرشاداته.

تناول في خواطره على أثير إذاعة "العهد" وإذاعة "حياة إف إم" العديد من القضايا الاجتماعيّة والأخلاقيّة والتربويّة بأسلوب سهل بعيداً عن التكلّف، وكانت هذه الحلقات تحظى باهتمام المستمعين، ولو جمعت هذه الحلقات في كتاب لعمّت فائدتها وكثر نفعها.

شارك على قناة كيف الفضائيّة في حلقات برنامج (قصص وعبر)، فاستطاع من خلال فن القصّة والسيرة غرس مبادئ الفضيلة والصدق والعدالة والإيثار، بأسلوب مشوّق، وهو أسلوب تربوي مفيد، يفتقد إليه كثير من المربين.

وقدّم برنامج (كيف نصلّي) الذي يقدمه ياسر ناصر الشمّري على قناة كيف، فكان ضابطاً للفرائض والسنن، متمسكاً بأحكام الشريعة، محارباً البدعة.

نذر حياته لخدمة الدين، وبيان حقائقه للناس، ونشر الفضائل، ومساعدة الضعفاء وذوي الحاجات، وكان أخاً لهم ومعينا، وكان على جانب عظيم من حسن الخلق ولين الجانب.

وكان في خدمة أهله إخوانه كريماً مضيافاً، لا يضنّ بالابتسامة على محدثه وهو في أشد حالات الألم والإرهاق الذي لازمه في مراحل مرضه، وكان وجهه المضيء بنور الله، المكلّل بالعمامة البيضاء، هو الصورة التي انطبعت في ذاكرتي فلم تفارقني منذ زيارتي الأخيرة له.

آمن بأن حب الوطن من الإيمان، وأّن الاهتمام بالقضايا الوطنيّة واجب مقدّس، فكان يشارك في النقاشات الدائرة حول القضيّة السوريّة وهي تمرّ في أصعب مراحلها، ولقد أشفقت عليه وهو يستمع إلى الحوار الذي لا يغادر مجالس السوريين، وهم في أشد حالات الانفعال، وهو في أشد حالات المرض.

ولم يفقد القدرة على استقبال إخوانه ومحبيه حتى اشتدت وطأة المرض عليه وأدركه الأجل المحتوم يوم الاثنين في 12 ذي القعدة سنة 1437هـ الخامس عشر من شهر آب سنة 2016م ، وجرى دفنه في  مقبرة سحاب الإسلاميّة بالعاصمة الأردنيّة، محاطاً بإخوانه ومحبيه.

سلام على روحك الطاهرة يا أبا حازم، وعلى أرواح الشهداء والصالحين، وستبقى قلوبنا تخفق بذكراك العطرة أيّها الغريب، والحمد لله ربّ العالمين.

 

الزيارات: 383